الأطفال الذين بلغوا منتصف الأربعينات، أمثال حالتي، هم الفئة الأكثر قدرة على استيعاب هذا الموضوع وفهم أبعاده بعمق.
بدأت الحكاية في أواخر الثمانينات وبدايات التسعينات، حين كنا ما نزال في خطواتنا الأولى مع القراءة والكتابة. وفجأة، وقع بين أيدينا كنز حقيقي، أو ما يشبه مغارة علي بابا بكل ما تحمله من دهشة وسحر. خيال منطلق بلا حدود، مكتوب بأسلوب بالغ البساطة، يتناسب تمامًا مع قدراتنا الذهنية آنذاك. كان كل شيء أشبه بقطع أحجية بازل، تُركب واحدة تلو الأخرى بصبر شديد. كل قطعة بمفردها حكاية مستقلة شديدة الإمتاع، لكنها في الوقت نفسه جزء لا يتجزأ من لوحة كبرى.
داخل كل قطعة من هذا البازل، كانت تتشكل خريطة أسرية معقدة على نحو لافت: أم في عمر ابنتها تقريبًا نتيجة صراع خيالي مركب، زوج الابنة أكبر سنًا من الأب نفسه، لكنه في الوقت ذاته صديقه الوفي، وطليقة الزوج صديقة مقربة للأسرة، وأحد أبرز مثيري الأزمات بشكل دائم، تعاني غيرة طاغية، إلى أن يظهر شخص آخر لا يقل عنها قدرة على إشعال الصراعات، فيقع الاثنان في غرام بعضهما البعض.
في هذا الإطار النفسي والاجتماعي المربك، يواجه هذا الفريق وحوشًا ومسوخًا قادمة من عوالم أخرى، ومن عالمنا أيضًا. شياطين الإنس والجن، كائنات فضائية، حضارات منقرضة، وحيوانات أسطورية. عالم من الخيال بلا سقف، لا يعترف بأي حدود.
وخلال هذه الأحداث الخيالية، كان أستاذ الجيل الراحل نبيل فاروق يعرض علينا رؤيته للعالم القادم. يتحدث عن الساعات البلورية، التي نعرفها اليوم بالساعات الرقمية، وعن السيارات الصاروخية التي تشبه إلى حد بعيد سيارات الكهرباء الحديثة، وعن الاتصالات الهولوجرامية التي نعيشها الآن عبر تطبيقات مثل فيس تايم وماسنجر، وعن وكالات أنباء الفيديو التي نراها في قنوات إخبارية كالعربية وسكاي نيوز، وغيرها من تفاصيل أصبحت جزءًا أصيلًا من حياتنا اليومية.
غير أن هذا كله، قبل ما يقرب من أربعة عقود، لم يكن سوى خيال يتجاوز حدود التصور.
يواصل الطبيب الذي قادته الأقدار إلى عوالم الأدب، أستاذنا نبيل فاروق، تجميع لوحة البازل الكبرى، وصولًا إلى نقطة الانطلاق الحقيقية. هناك يواجه البطل نور الدين محمود (ولعل لدلالة الاسم معناها) خصمًا شيطانيًا بالغ الرعب، هو ابن الشيطان ذاته. ينتصر عليه البطل الأرضي، ويرسله إلى الفضاء الواسع عبر مركبة متطورة، بعد أن سجنه داخل قرص معدني، ليمنع أي إنسان على وجه الأرض من إعادة استدعائه مرة أخرى.
ينتهي هذا الصراع العنيف بانتصار متوج، ثم تنفتح أبواب الخيال على مصراعيها بعد تلك البداية المهيبة.
غزو فضائي شامل لكوكب الأرض، يدمر مظاهر الحضارة كافة، ويجرد الكوكب من مصادر الطاقة الصناعية، وعلى رأسها المفاعلات النووية. يقود هذه الحملة المرعبة إمبراطور الكوكب الغازي بنفسه، وتهدف الحملة كلها إلى هدف واحد جنوني: القبض على الرائد نور الدين محمود.
ينجح الإمبراطور بالفعل في أسر بعض أفراد فريق نور، ويلقي بهم في ما يُعرف بالجحيم الأرضي، وهو سجن هائل تحت سطح الأرض، شديد الحرارة، يُجبر السجناء فيه على توسيعه باستمرار.
يقود نور المقاومة الأرضية، والتي، على الرغم من بسالتها، تبدو عاجزة تمامًا أمام القوة الساحقة للفضائيين.
ثم تظهر أولى المعجزات: بودون.
بودون مقاتل فضائي فذ، سبق له أن واجه نور في معركة خاسرة، حين كان قائدًا لجيوش كوكبه. يعفو عنه نور، لتتحول العداوة إلى صداقة. لاحقًا، يُهزم بودون في معركة أخرى، ويقع كوكبه بأكمله تحت الاحتلال ذاته الذي يسيطر على الأرض. عندها يقرر الانضمام إلى المقاومة الأرضية، لمساعدتها على تحرير الكوكب، على أن ينطلق نور لاحقًا إلى كوكب بودون لقيادة المقاومة هناك.
يمتلك بودون سلاحًا بالغ الخطورة، لكنه يحذر نور من استخدامه إلا إذا بلغت الأمور أقصى درجات التعقيد، وانعدمت كل الحلول الممكنة. إنه سلاح فتاك بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
إلا أن بودون يلقى مصرعه في معركة كبرى. ولتقريب المشهد إلى الذهن، يمكن تشبيهها بالمواجهة الختامية في فيلم «يوم الاستقلال»، مع ملاحظة أن الفيلم عُرض بعد كتابة هذه الملحمة بما يقارب تسع سنوات.
في تلك المعركة، تواجه مركبة فضائية عملاقة تُدعى «الرعب الفضائي» هجومًا كاسحًا، حيث تنطلق من الأرض مئات المقاتلات لإسقاطها، بينما تخرج منها مئات المقاتلات للدفاع عنها. وتنتهي المواجهة بسقوط «الرعب الفضائي»، لكن بثمن باهظ وفادح.
تسقط مقاتلة الرائد نور في أعمق نقطة في المحيط الأطلنطي.
يصاب الإمبراطور بجنون مطبق ويتحول إلى وحش هائج. يريد جثة نور، أو أن يقتله بيده، إذ يرفض تصديق موته بتلك الطريقة، فاسم نور الدين محمود وحده كفيل بدحض فكرة الهزيمة.
ومع ذلك، يُنفذ الأمر. تستمر المقاومة في مسارها، ويتمرد سجناء الجحيم الأرضي، ويخرجون لمحاصرة المركبة الإمبراطورية، بينما تعثر نشوى، ابنة نور، على سفينة بودون التي تحتوي على السلاح الفتاك، وتنجح بعبقريتها الموروثة في فك شفرته، وتدرك إلى أي مدى هو سلاح مرعب وخطير، إلى أقصى الحدود.
ينطلق مقاتلو المقاومة في معركة شرسة وغير متكافئة، تميل فيها الكفة بوضوح لصالح الفضائيين. يتسلل الإحباط إلى النفوس، ونقترب سريعًا من هزيمة قاسية، ثم، في اللحظة الأخيرة تمامًا، تحدث المعجزة.
يعود نور، ومعه أقوى الأسلحة الأرضية على الإطلاق
س١٨ في خدمتك يا سيدي.س١٨ آليّ متطور، يشكّل جزءًا أساسيًا من لوحة البازل الكبرى، ولن يتسع المقام الآن لسرد قصته كاملة. هو صاحب الوجه الأخضر على الغلاف الذي يحمل عنوان «النصر».
وبينما يخوض س١٨ المعركة، يفتح الإمبراطور الأبواب أمام نور وفريقه، ويسمح لهم بالدخول والمواجهة المباشرة، للمرة الأولى منذ بداية هذا الصراع المرير.
وهنا يقع أعظم التفافات الحبكة في تاريخنا كله!
الإمبراطور هو ابن الشيطان نفسه!
لقد احتل جسد الإمبراطور، وقاد هذه الحملة بأكملها بدافع الانتقام من نور، انتقامًا مذلًا وقاسيًا.
وفي مشهد درامي بالغ الرعب، ترتفع مركبة الطاقة – التي كانت قد سحبت الطاقة النووية في بداية الأحداث – فوق تجمعات مقاتلي المقاومة، لتقوم بشيّهم أحياء.
إحباط عظيم يجتاح النفوس، وابن الشيطان يبدو غارقًا في سعادته. فقد كان مقررًا لهذه الكبسولة أن تطوف بالكوكب، لترفع حرارته إلى درجة مستحيلة، فيُجبر البشر على الهروب إلى الجحيم الأرضي الذي حفره الإمبراطور بأيدي السجناء، وكأن الفرار من جحيم السماء سيكون إلى جحيم الأرض.
لكن نشوى لا تسمح بحدوث ذلك.
فهي تقود أقوى أسلحة بودون، والذي نكتشف أنه جهاز هائل لامتصاص الطاقة، قادر على امتصاص جميع مصادرها، حتى طاقة الكائنات الحية نفسها. ولهذا يُعد سلاحًا مخيفًا، قادرًا على القضاء على مظاهر الحياة كافة في لحظات.
تعتلي نشوى كبسولة الطاقة، وتمتص طاقتها بالكامل، فتنقذ المقاتلين الأرضيين، ثم تختفي المركبة والكبسولة إلى مصير مجهول، لتنطق نشوى كلماتها الأخيرة:
«إذا كان الموت آتيًا لا محالة، فلنمت في سبيل من نحب».
في تلك اللحظات الحاسمة، يتدخل س١٨ تدخله الأخير، ويحرق ابن الشيطان، الذي لا يموت إلا بالنيران. غير أن الانتصار لا يكتمل.
ففي أثناء موته
يعلن الشيطان الابن أنه لن يسمح للأرض بالحياة مرة أخرى، ويطلق في الغلاف الجوي قنبلة جاما، تعيد البشرية إلى عصور الهمجية، وتجرد الإنسان من عقله وحضارته.
ينجو نور وفريقه مرة أخرى من الانفجار، بفضل وجودهم داخل المركبة الإمبراطورية، بينما تُهزم قوات الاحتلال، وتنسحب، تاركة الأرض وقد فقدت عقلها وقدراتها بالكامل.
تنتهي أحداث الملحمة، ونور يتابع بعينيه مركبات الغزاة وهي تبتعد في الفضاء، ويتساءل في صمت: هل نجحنا؟
الخسارة فادحة. فعلى المستوى الشخصي، فقد أباه وأمه وابنته، وقادته، وزملاءه، ومقاتليه في المقاومة. أما الأرض، فقد عادت إلى عصور ما قبل التاريخ، عصور الهمجية المتوحشة، حيث لا لغة ولا وسيلة للتفاهم، سوى شريعة الغاب.
يبدو أن القدر قد اختار الرائد نور مرة أخرى، هو وفريقه، ليحملوا عبء إعادة الحضارة إلى الكوكب، لا سيما وأنه يمتلك عددًا من الأسطوانات التي تضم نسخًا من علوم الأرض وفنونها وحضارتها، منذ فجر التاريخ وحتى عصر الاحتلال.
إنها مهمة ثقيلة، تكاد تكون مستحيلة، لكن القدر اختار لها الرجل الذي سيحمل منذ تلك اللحظة لقبًا مهيبًا:
بطل التحرير
الرائد نور الدين محمود… بطل التحرير.
تنتهي أحداث هذه الملحمة الكبرى، لتفتح أبوابًا تمتد بعدها حتى العدد رقم مائة. وتنتهي القصة ونحن لا نعرف: هل انتصرنا أم انهزمنا؟ أم أنه انتصار بطعم الهزيمة؟ أم أن الحقيقة أكثر تعقيدًا مما نتصور؟
شخصيًا، ما زلت أتساءل حتى اليوم: أين منتجو الدراما من هذه الملحمة؟
فبإنتاج جيد، وإعداد محترم، يمكن تقديم أعمال تنافس أفلام مارفل نفسها، خاصة أننا أمام سلسلة متماسكة، معقدة البناء، متشعبة المسارات، زاخرة بالصراعات النفسية والمادية، وغنية على نحو استثنائي بالأفكار والتكتيكات والحبكات.
وأعتقد أنه من الواجب أن يلتفت أحدهم إلى هذا الكنز المنسي، المعروف باسم «ملف المستقبل»، وإلى شقيقه الأهم «رجل المستحيل – أدهم صبري»، وأن يتم تحويلهما إلى أعمال سينمائية ودرامية تليق بقيمتهما الحقيقية.
وفي الختام، لا بد من القول:
رحم الله أستاذنا ومعلمنا الراحل العظيم الدكتور نبيل فاروق، الذي غرس في نفوسنا حب الوطن وقيمته، ونحن لا نزال في سنوات الطفولة الأولى.
رحم الله هذا الرجل العظيم.


تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي