آخر المواضيع

خيري رمضان يكتب : دايبين فى صوت الست


خيري رمضان يكتب : دايبين فى صوت الست

خيري رمضان يكتب : دايبين فى صوت الست

 دايبين في صوت الست.. حين يتحول الفن إلى ذاكرة حية

على مدى يومين متتاليين، شاهدت تجربتين فنيتين تتناولان سيرة واحدة، لكن من زاويتين مختلفتين تماما فى الشكل والأدوات، ومتقاربتين فى الهدف والرهان. الأولى كانت المسرحية الغنائية ام كلثوم دايبين فى صوت الست، والثانية فيلم الست. وبين التجربتين، لم يكن الفارق الحقيقى فى الأسماء أو الإمكانيات الإنتاجية أو حتى حجم الجهد المبذول، بقدر ما كان فى الأثر النهائى، وفى قدرة كل عمل على بناء علاقة وجدانية حقيقية مع المتلقى، علاقة تتجاوز حدود الإعجاب إلى مساحة أعمق من التفاعل والاندماج.

مسرحية ام كلثوم دايبين فى صوت الست، من تأليف المبدع مدحت العدل وإخراج أحمد فؤاد، لا تقدم باعتبارها عرضا مسرحيا موسيقيا فحسب، بل بوصفها حالة إنسانية وفنية مكتملة الأركان. منذ لحظة الدخول إلى المسرح، تبدأ التجربة قبل رفع الستار، عبر الموسيقى، والفضاء البصرى، وتفاصيل دقيقة تستدعى ذاكرة جمعية لا تزال حية فى الوعى المصرى، وتعيد ربط المشاهد بتاريخ شخصى وعام فى آن واحد.

فى مدخل المسرح، تستقبل الجمهور موسيقى ام كلثوم وبعض مقتنياتها، فى تمهيد وجدانى هادئ لا يفرض نفسه، بل يتسلل إلى الإحساس. وعلى مدخل المسرح، تتصدر لوحة إهداء من آل العدل، مؤلفى ومنتجى العمل، إلى روح شقيقهم الفنان الكبير الراحل سامى العدل، الذى كان صاحب الفضل فى دخولهم عالم الفن. هذه اللوحة، بما تحمله من دلالة إنسانية صادقة، لا تعرض باعتبارها تفصيلا شكليا، بل تنعكس رمزيا على روح العمل كله، لتؤكد قيمة الوفاء بوصفها رابطا بين التجربة الفنية الخاصة والذاكرة الوطنية العامة.

ومن هذا المعنى، تتحول المسرحية إلى حالة وطنية مكتملة، تستعيد سيرة ام كلثوم بوصفها قيمة ثقافية وإنسانية شكلت وجدان المصريين عبر عقود طويلة. ام كلثوم هنا ليست مجرد مطربة استثنائية أو صوت فريد، بل امرأة لعبت دورا وطنيا واضحا، وشاركت فى دعم المجهود الحربى، ورفعت اسم مصر فى المحافل الدولية، وكانت جزءا أصيلا من تاريخها الثقافى والوجدانى، وحاضرة فى لحظات الفرح والانكسار على حد سواء.

ولا يمكن التوقف عند هذا العمل من دون الإشادة بجميع ابطال المسرحية، اولئك الذين قدموا اداء تمثيليا وغنائيا لافتا، وامتلكوا شجاعة ذوبان النجومية الفردية داخل العمل الجماعي. فقد توارت اضواء الاسماء، واختفت فكرة البطولة المنفردة، لتبقى العيون كلها معلقة بثومة، بالست، بكوكب الشرق. وهو اختيار واع ونادر، يؤكد ان العمل لم يكن استعراضا للمواهب، بقدر ما كان احتفاء خالصا بالقيمة التى يمثلها هذا الاسم الاستثنائى فى الوجدان المصرى والعربي.

العرض، رغم ضخامته الفنية وتعقيداته الإنتاجية، يقدم ليومين فقط فى الاسبوع، وهو ما يعكس حجم الجهد المبذول فيه. إلا أن امتلاء المسرح عن اخره، بمختلف الاعمار والطبقات والجنسيات، يطرح سؤالا مشروعا حول ضرورة دعم مثل هذه الاعمال، التى تثبت أن الجمهور لا يعزف عن الفن الجاد، بل ينتظره ويتفاعل معه حين يقدم بصدق واحترام.

وفى اليوم التالى شاهدت فيلم الست، من تأليف احمد مراد وإخراج مروان حامد وبطولة منى زكى، ليقدم قراءة سينمائية حديثة للسيرة نفسها. الفيلم، من حيث الصناعة، عمل متقن ومحترم، يحمل قدرا واضحا من الجدية، ويعكس اهتماما حقيقيا بتقديم عمل يليق باسم ام كلثوم، بعيدا عن الاستسهال أو الاتكاء على الشهرة وحدها.

قدمت منى زكى جهدا ملحوظا فى محاولة الاقتراب من شخصية شديدة الخصوصية والتعقيد، وبذلت طاقة واضحة فى الاداء، انعكست فى تفاصيل كثيرة تستحق التقدير. وجاء اداؤها، ومعها باقى النجوم المشاركين، مؤكدا جدية التجربة واحترامها للمشاهد. ويبقى التحفظ مقتصرا فقط على جملتين فى الحوار وردتا بصوت لم نعتده عن ام كلثوم فى احاديثها ولقاءاتها الاعلامية المختلفة، دون ان يؤثر ذلك على التقييم العام للاداء التمثيلى أو على تقدير الجهد المبذول.

ومع ذلك، يظل من الضرورى الإشارة إلى وجود بعض الملاحظات المتعلقة بالدقة التاريخية فى عمل يستلهم أحداثا وشخصيات واقعية. وهى ملاحظات لا تنتقص من القيمة الفنية للفيلم، ولا من الاداء البارع لجميع الممثلين، كما لا تمس الإمكانيات الإبداعية الواضحة التى يتمتع بها المخرج مروان حامد، بقدر ما تفتح نقاشا مشروعا حول العلاقة الدقيقة بين حرية المعالجة الفنية ومسئولية تقديم السيرة فى سياقها التاريخى.

الفارق الجوهرى بين التجربتين لم يكن فى الجودة، بل فى الاثر. المسرح نجح فى خلق علاقة وجدانية مباشرة مع الجمهور، حيث خرج المتلقى محملا بالإحساس والانفعال، لا بالتقييم فقط. أما الفيلم، فظل عملا يقدر ويناقش، دون أن يترك الصدى العاطفى نفسه، خصوصا لدى الاجيال الاصغر سنا.

هنا يتأكد أن الفن، حين يلامس القلب، يصبح جزءا من الذاكرة العامة، وأن تقديم رموزنا الثقافية فى اعمال فنية معاصرة هو فعل ضرورى، ليس بوصفه استعادة للماضى، بل بوصفه حوارا مفتوحا مع الحاضر والمستقبل. فالوفاء، الذى بدأ بلوحة إهداء على مدخل المسرح، امتد ليصبح حالة فنية كاملة، تؤكد أن بعض الاعمال لا تشاهد فقط، بل تعاش.

"تجربة مزدوجة لسيرة أم كلثوم بين المسرح والفيلم.. قراءة نقدية تبرز الفرق بين التأثير الوجداني والجودة الفنية، وحوار الفن مع الذاكرة."

وفى هذا السياق :

يكتسب ما كتبه الإعلامى خيرى رمضان حول العملين أهمية خاصة، ليس فقط بسبب مكانته المهنية، بل لأن حديثه انطلق من موقع المشاهد المنحاز للفن بوصفه فعلا مؤثرا فى الوعى العام، لا مجرد منتج للترفيه. قراءة خيرى رمضان جاءت أقرب إلى التأمل منها إلى الحكم، وهو ما يفتح بابا أوسع للنقاش حول كيفية تقديم رموزنا الثقافية فى لحظة زمنية تختلف تماما عن الزمن الذى تشكلت فيه هذه الرموز.

ما يلفت الانتباه فى طرحه، هو إدراكه للفارق بين العمل الذى يخاطب الوجدان مباشرة، والعمل الذى يمر أولا عبر العقل. وهو فارق لا يتعلق بالجودة أو الإخلاص، بقدر ما يرتبط بطبيعة الوسيط الفنى نفسه، وباللغة التى يختارها كل عمل للتواصل مع جمهوره. المسرح، كما أشار ضمنيا، يمتلك تلك القدرة السحرية على خلق حالة جمعية، حيث يتنفس الجمهور الإحساس ذاته فى اللحظة نفسها، بينما تظل السينما، رغم قوتها، تجربة أكثر فردية وتأملا.

تعليق خيرى رمضان لا يمكن قراءته باعتباره انحيازا لطرف على حساب آخر، بل باعتباره دفاعا عن فكرة أعمق: أن استعادة سيرة بحجم أم كلثوم لا يجب أن تكون اختبارا للمقارنة أو المفاضلة، بل محاولة لفهم لماذا لا تزال هذه السيرة قادرة على إثارة الجدل والتفاعل بعد كل هذه السنوات. فوجود أكثر من معالجة فنية للشخصية نفسها، فى توقيت متقارب، يعكس حاجة حقيقية لدى المجتمع للعودة إلى رموزه الكبرى، لا بدافع الحنين وحده، بل بحثا عن معنى ثابت فى زمن متغير.

كما أن طرحه يذكرنا بمسئولية الإعلام والنقد الثقافى فى التعامل مع هذه الأعمال، بحيث لا يتحول النقاش إلى تصفية حسابات فنية أو انطباعات سريعة، بل إلى حوار جاد حول القيمة، والتأثير، والذاكرة. فالفن، كما بدا واضحا فى حديثه، ليس مجرد حدث عابر، بل جزء من تشكيل الوعى، ومن هنا تأتى خطورة التناول السطحى، وأهمية القراءة المتأنية.

وفى النهاية، يمكن القول إن ما كتبه خيرى رمضان يضيف طبقة جديدة من الفهم لهذه التجربة المزدوجة، ويؤكد أن الاختلاف فى التلقى لا يقل أهمية عن الاختلاف فى التقديم. فحين يفتح العمل الفنى باب النقاش، ويستدعى هذا القدر من التفاعل، فإنه يكون قد حقق أحد أهم أدواره: أن يظل حيا، قابلا للجدل، وممتدا فى الوعى العام، تماما كما فعلت أم كلثوم نفسها، التى لم تكن يوما مجرد صوت، بل حالة مستمرة من الحضور والتأثير.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

إعلان Google AdSense

أخبار تقنية

إعلان Google AdSense

فيديو