في كتاب «فن الشعر» لأرسطو، جرى التمييز بوضوح بين التراجيديا والملحمة، رغم اعترافه بوجود عناصر مشتركة تجمع بينهما. وقد ظل هذا الفصل قائمًا لقرون طويلة، قبل أن يبدأ في التراجع تدريجيًا مع تطور الممارسات المسرحية الحديثة، ليصبح الربط بين النوعين أمرًا يبدو، في ظاهره، متناقضًا، لكنه يعكس تحولات عميقة في الفكر الفني وطبيعة التعبير المسرحي.
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وصعود المسرح الألماني الراديكالي، بدأ عدد من الممارسين يشعرون بأن الحبكة الخطية والتركيز على البطل الفردي، كما في الدراماتورجيا الأرسطية، لم تعد أدوات مناسبة لتمثيل الصراعات الاجتماعية الواسعة والمعقّدة. فقد كانت المجتمعات الأوروبية تمر باضطرابات سياسية واقتصادية وفكرية عميقة، جعلت من الصعب الاكتفاء بسرد قصص فردية معزولة عن سياقها العام. كما رفض هؤلاء الاتجاه الطبيعي، معتبرين إياه محدود الرؤية، وغير قادر على التعبير عن روح الفترات الثورية والتحولات الكبرى.
في هذا المناخ الفكري والفني، ظهر المسرح الملحمي بوصفه محاولة لإعادة تعريف وظيفة المسرح ودوره في المجتمع. فلم يعد الهدف الأساسي هو إثارة العاطفة أو خلق وهم واقعي يدفع المشاهد إلى الاندماج الكامل، بل أصبح التركيز منصبًا على إثارة التفكير، وتحفيز الوعي، ودفع الجمهور إلى تحليل ما يراه على الخشبة وربطه بواقعه اليومي.
وقد ارتبط هذا التوجه بشكل خاص بتجربة برتولت بريخت، الذي عمل على تطوير صيغة مسرحية تقوم على السرد والتقطيع المشهدي، بدلًا من البناء المتصاعد التقليدي. فجاءت مسرحياته مؤلفة من مشاهد مستقلة نسبيًا، يحمل كل منها فكرة أو موقفًا محددًا، دون الاعتماد على ذروة درامية واحدة أو نهاية عاطفية مغلقة. وبهذا الأسلوب، تحوّل العرض المسرحي إلى سلسلة من المواقف الفكرية، لا مجرد قصة متماسكة تسير نحو حل نهائي.
وسعى بريخت إلى منع الجمهور من الوقوع في حالة الاندماج العاطفي الكامل، التي تؤدي عادة إلى ما يُعرف بالتطهير الأرسطي أو التنفيس النفسي. وبدلًا من ذلك، عمل على إبقاء المشاهد في حالة يقظة عقلية، من خلال ما عُرف بتأثير التغريب. فقد استخدم أساليب متعددة، مثل كسر الجدار الرابع، والمخاطبة المباشرة للجمهور، وإدخال الأغاني والتعليقات، وإظهار عناصر العرض التقنية بدل إخفائها. وكانت هذه الوسائل تهدف إلى تذكير المشاهد دائمًا بأنه يشاهد عملًا فنيًا، لا واقعًا حيًا.
كما انعكس هذا التوجه على أسلوب أداء الممثل، الذي لم يعد مطالبًا بالاندماج الكامل في الشخصية، بل بتقديمها بوصفها نموذجًا قابلًا للتحليل والنقد. فالممثل في المسرح الملحمي لا يسعى إلى إقناع الجمهور بصدق عاطفته فقط، بل يدعوه إلى التفكير في دوافع الشخصية وسلوكها وموقعها داخل البنية الاجتماعية.
وامتد تأثير المسرح الملحمي إلى مختلف عناصر العرض، من ديكور وإضاءة وموسيقى، حيث تم التخلي عن الواقعية المفرطة لصالح البساطة والوظيفة الفكرية. وأصبحت هذه العناصر أدوات مساعدة على إيصال الفكرة، لا مجرد وسائل للزينة أو الإبهار البصري.
ومع مرور الوقت، تجاوز تأثير المسرح الملحمي حدود ألمانيا وأوروبا، ليصل إلى مسارح العالم المختلفة، بما فيها المسرح العربي، حيث استفاد عدد من الكتّاب والمخرجين من تقنياته في معالجة قضايا الهوية والسلطة والعدالة الاجتماعية. كما أثّر في اتجاهات مسرحية لاحقة، مثل مسرح ما بعد الحداثة، التي واصلت تفكيك السرد التقليدي وكسر وهم التمثيل.
ورغم ما وُجه إلى المسرح الملحمي من انتقادات تتعلق بجفافه العاطفي أو نخبويته أحيانًا، فإنه يظل أحد أبرز المحطات في تاريخ المسرح الحديث. فقد أسهم في تحويل المسرح من فضاء للمتعة السلبية إلى مجال للتفكير والحوار، وربطه بقضايا الإنسان والمجتمع، وجعل منه أداة للوعي والتغيير، لا مجرد وسيلة للترفيه.
إيروين بيسكاتور وتأسيس المسرح الملحمي
بعتبر المخرج اليساري إيروين بيسكاتور من أوائل من صاغوا مصطلح «المسرح الملحمي» في عشرينيات القرن العشرين. وقد ارتبط المفهوم لديه بفكرة الحجم والمقياس المجتمعي، حيث رأى أن المسرح يجب أن يعكس الصراعات السياسية والاجتماعية الكبرى.
في أعماله ببرلين، وخاصة في مسرح «فولكسبونه البروليتاري» ومسرح نوليندورف (1927–1929)، سعى بيسكاتور إلى تقديم نصوص أقل مثالية وأكثر ارتباطًا بالواقع السياسي الآني. وحرص على أن تكون العروض استجابة مباشرة للأحداث الجارية.
اعتمدت عروضه على مواد وثائقية وتعليمية، بهدف إبراز الروابط بين الأحداث المختلفة، وتوفير سياق تاريخي للفعل المسرحي. كما استخدم تقنيات مسرحية جريئة، شملت المصاعد، والمنصات المتحركة، وتعدد الخشبات، بل وحتى كرة أرضية ضخمة تنفتح لتكشف فضاءات الأداء داخلها.
وكان من رواد إدخال الشرائح المصورة والأفلام في العرض المسرحي كعناصر أساسية في البناء الدرامي. ولم تكن أهمية هذه الوسائل في براعتها التقنية فحسب، بل في الرؤية الاجتماعية التي حملتها داخل عروضه.
ورغم هذا التوجه، عاد التزامه بالدراما الواقعية إلى الظهور في سنواته الأخيرة، عندما عمل مجددًا في مسرح فولكسبونه بغرب برلين بين عامي 1962 و1966.
برتولت بريخت والمفهوم النظري للملحمية
على خلاف بيسكاتور، لم يكن برتولت بريخت مخرجًا فقط، بل كان في الأساس كاتبًا مسرحيًا ومنظرًا وضع الأسس النظرية للمسرح الملحمي في منتصف عشرينيات القرن العشرين.
ارتكز مفهوم الملحمية عند بريخت على الصيغة السردية، حيث أعاد، من منظور ماركسي، صياغة أفكار غوته وشيللر في أواخر القرن الثامن عشر حول الدراما والملحمة، وربطها بمتطلبات العالم الحديث.
جاءت مسرحيات بريخت قصصية أكثر منها وثائقية، وهدفت إلى تقديم نماذج شبه «مختبرية» للتفاعل البشري. ولم تكن بنيتها أرسطية تقليدية تقوم على بداية ووسط ونهاية، بل اقتربت من الدراما الإليزابيثية أكثر من المسرح البرجوازي في القرن التاسع عشر.
البناء الدرامي وأسلوب التلقي
حرص بريخت على أن تكون استجابة الجمهور عقلانية لا عاطفية، ولذلك بنى مسرحياته دون الاعتماد على خط سردي متصاعد. فجعل كل مشهد قائمًا بذاته، قادرًا على نقل فكرة مستقلة، دون الارتباط الحتمي بما قبله أو بعده.
كما تجنب الذروة الدرامية التقليدية، وسعى إلى كسر وهم الاندماج الكامل، حتى يظل المشاهد واعيًا بطبيعة ما يراه، وقادرًا على التفكير النقدي في القضايا المطروحة.
بهذا الأسلوب، تحول المسرح عند بريخت من وسيلة للإمتاع العاطفي إلى أداة للتأمل والتحليل الاجتماعي، وهو ما شكّل جوهر المسرح الملحمي في صورته النظرية والعملية.
التغريب ونقد التطهير الأرسطي
تجنّب بريخت إحداث ما يُعرف بالتطهير الأرسطي (التنفيس العاطفي)، وسعى بدلًا من ذلك إلى إبقاء المشاهد في حالة وعي نقدي. ولتحقيق ذلك، طوّر ما يُسمّى بـ«تأثير التغريب»، ووظّف مجموعة من الأدوات التباعدية، استعار بعضها من مسرح الشرق الأقصى.
شملت هذه الأدوات: المخاطبة المباشرة للجمهور، وأسلوب الأداء غير الطبيعي، وتضمين النظم الشعري الحر والمرسل، وإدراج الأغاني في تضاد واضح مع الحوار المسرحي، إلى جانب استخدام الحكّاء أو الجوقة، وفن الإيماء، والأقنعة.
كما كان بريخت يحرص على إظهار خشبة المسرح مضاءة بإضاءة قوية غير ملوّنة، ويكشف مصادر الموسيقى سواء كانت حيّة أو مسجّلة، ويُعرّف المناظر بوسائل متعددة مثل الإسقاطات الضوئية والتعليقات العرضية واللافتات النصية. كذلك لم يُخفِ تغيير المناظر بالكامل، بل تركه ظاهرًا جزئيًا، ليذكّر الجمهور باستمرار أنهم يشاهدون عرضًا مسرحيًا.
إشكالية المصطلح في أواخر حياة بريخت
في السنوات الأخيرة من حياة بريخت، بدأ يشكك في مدى دقّة مصطلح «المسرح الملحمي» بوصفه توصيفًا حصريًا لتجربته، إذ لاحظ إمكانية تطبيقه بسهولة على أنماط مسرحية أخرى غير أرسطية، مثل أعمال بول كلوديل وثورنتون وايلدر، وهي أعمال لا ترتكز بالضرورة على الصراع الطبقي أو الاجتماعي.
لهذا حاول استبدال المصطلح بـ«المسرح الديالكتيكي»، إلا أنه لم يجد الوقت الكافي لصياغة نظرية متكاملة تدعم هذا التوجّه.
أثر المسرح الملحمي في المسرح الحديث
شكّل المسرح الملحمي أحد أهم التحولات الفكرية والفنية في تاريخ المسرح الحديث، إذ لم يكتفِ بتقديم أشكال جديدة في الكتابة والأداء، بل أعاد صياغة العلاقة بين العرض والجمهور، وبين الفن والواقع الاجتماعي. وقد ارتبط هذا التيار، على وجه الخصوص، بتجربة برتولت بريخت، الذي سعى إلى تحويل المسرح من وسيلة للاندماج العاطفي إلى أداة للتفكير النقدي والتحليل الواعي.
ورغم أن المسرح الملحمي لم يحقق «الثورة الشاملة» التي توقّعها أنصاره، فإنه ترك بصمة عميقة في دراما القرن العشرين، وأسهم في تشكيل ملامح المسرح المعاصر على المستويين الجمالي والفكري.
تميّز المسرح الملحمي بتوسيع دائرة الموضوعات المسرحية لتشمل القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بعد أن كانت الدراما التقليدية تركّز غالبًا على الصراعات الفردية والعاطفية. فقد أصبحت مشكلات الفقر، والاستغلال، والسلطة، والحرب، والعدالة الاجتماعية، محاور أساسية في البناء الدرامي.
ولم يعد الهدف من تناول هذه القضايا إثارة التعاطف أو الشفقة، بل دفع المتفرج إلى التفكير في أسبابها ونتائجها، وتحليل موقعه منها داخل الواقع الاجتماعي. وبذلك تحوّلت المسرحية إلى مساحة للحوار الفكري، لا مجرد حكاية للمتعة أو التسلية.
أحدث المسرح الملحمي تحولات واضحة في التقنيات المستخدمة على خشبة المسرح. فقد تخلّى عن السعي إلى خلق وهم الواقع الكامل، وفضّل إظهار عناصر العرض بوصفها أدوات فنية مصنوعة. ومن أبرز مظاهر هذا التوجه: الإضاءة المكشوفة، وتغيير المناظر أمام الجمهور، واستخدام اللافتات النصية، والإسقاطات الضوئية، والموسيقى التعليقية، والأغاني ذات الطابع النقدي.
كما أثّر هذا الاتجاه في تصميم الديكور والأزياء، حيث ابتعد عن الواقعية المفرطة، واتجه نحو البساطة والرمزية، بما يخدم الفكرة العامة للعمل.
ولم يقتصر تأثير المسرح الملحمي على النص والإخراج، بل امتد ليشمل أسلوب أداء الممثل. ففي المسرح التقليدي، كان الممثل يسعى إلى الاندماج الكامل في الشخصية، وإقناع الجمهور بواقعيتها النفسية. أما في المسرح الملحمي، فقد طُلب من الممثل أن يحتفظ بمسافة نقدية بينه وبين الدور الذي يؤديه، فهو لا «يتحوّل» إلى الشخصية بشكل كامل، بل يعرضها ويعلّق عليها ضمنيًا من خلال أدائه.
وقد أسهم هذا الأسلوب في ظهور مدارس تمثيلية جديدة، ركّزت على الوعي بالأداء، والتحكم في الإيماءة والصوت والحركة بوصفها عناصر دلالية.
كما أعاد المسرح الملحمي صياغة موقع الجمهور داخل العملية المسرحية. فبدل أن يكون متلقيًا سلبيًا مندمجًا في الأحداث، أصبح مشاركًا فكريًا مطالبًا بالتفكير وإصدار الأحكام. وقد تجلّى ذلك في أساليب مثل: كسر الجدار الرابع، والمخاطبة المباشرة، وتوجيه الأسئلة للجمهور، وتقديم نهايات مفتوحة لا تفرض تفسيرًا واحدًا.
ولم يقتصر أثر هذا التيار على أوروبا، بل امتد إلى مختلف أنحاء العالم، حيث استُخدم بوصفه أداة للتعبير عن القضايا السياسية والاجتماعية المحلية. وفي المسرح العربي، تأثر عدد من الكتّاب والمخرجين بأساليب بريخت، فوظفوا التغريب، والراوي، والأغنية، والبناء المشهدي المستقل، في معالجة قضايا الهوية والسلطة والحرية.
كما انعكس تأثير المسرح الملحمي في مسارح ما بعد الحداثة، التي واصلت تفكيك السرد التقليدي، وكسر وهم التمثيل، واللعب على وعي المتفرج.
ورغم أهميته، لم يَسلم المسرح الملحمي من الانتقادات، إذ رأى بعض النقاد أن التركيز المفرط على العقل والتحليل قد يُضعف الجانب الوجداني للفن، ويحوّل المسرح إلى خطاب فكري جاف، كما اعتبر آخرون أن هذا الأسلوب قد لا ينجح دائمًا في جذب الجمهور الواسع.
ومع ذلك، لم تقلّل هذه الانتقادات من قيمته التاريخية والفنية، بل أسهمت في تطويره وتكييفه مع سياقات مختلفة.
ويُعد المسرح الملحمي أحد الركائز الأساسية في تشكيل المسرح الحديث، لما أحدثه من تحولات في الرؤية الفكرية، والبناء الدرامي، وأسلوب الأداء، وعلاقة العرض بالجمهور. فقد نقل المسرح من مجال الاندماج العاطفي إلى فضاء التفكير النقدي، وربطه بواقع الإنسان الاجتماعي والسياسي، وأسهم في ترسيخ فكرة المسرح بوصفه وسيلة للوعي والتغيير، لا مجرد أداة للمتعة والتسلية.


تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي