د.أحمد مروان يكتب :
مرّ أمامي، على نحوٍ عابر، فيلم «أبناء وقـ ـتلـة»… وكعادتي، مضيت معه حتى النهاية، ثم وجدتني أرغب في أن أفتح معكم حديثا هادئًا حوله.
الفيلم من إنتاج عام 1987، مأخوذ عن رواية قصيرة «نوفيلا» للكاتب إسماعيل وليّ الدين، ضمن مجموعة قصصية تحمل عنوان «القاتل والمقتول». كتب السيناريو والحوار مصطفى محرم، وأخرجه فارس الواقعية عاطف الطيب.
تصدّر البطولة محمود عبد العزيز، إلى جوار نبيلة عبيد، مجدي وهبة، أحمد بدير، رجاء حسين، ومعهم كوكبة من النجوم.
العمل، في بساطته الظاهرة، وكما هي سِمة معظم أفلام عاطف الطيب، ليس سوى مقطع عرضي ممتد في شريط الحياة الاجتماعية لفئة من المصريين؛ لقطة زمنية طويلة تبدأ من ثورة يوليو 1952، وتعبر تحولات الانفتاح الساداتي وما تلاه من تبدلات عميقة.
يكمن الجمال الحقيقي في الفيلم وهو ما أضاف كثيرًا إلى النص الأصلي في نحت الشخصيات وتأصيلها، في بناء عوالمها الداخلية وأبعادها النفسية، وفي تتبع التحولات التي طرأت عليها تحت وطأة الواقع الاجتماعي، بما أفرز شخصيات مركبة، تنبض بالحياة، وتسير جنبًا إلى جنب مع التحولات الدرامية للعمل.
ليس هذا فيلمًا عاديًا كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هو سردية درامية شديدة التأثير، تتسلل إلى الداخل بهدوء ثم تترك أثرها العميق.
شيخون " محمود عبد العزيز" يبدأ رحلته عاملًا فقيرًا في «بار»، كما نراه في المشاهد الأولى. ومع خروج الأجانب إبّان ثورة يوليو، يستغل الفرصة، ويستولي على البار الذي يعمل فيه عبر الغش والحيلة. يتزوج دلال الراقصة " نبيلة عبيد " ، ثم يسرق مصاغها، لتشتعل منذ البداية شرارة الصراع.
نراه متأثرًا بالموجة القومية والثورية التي غمرت النفوس آنذاك؛ يسبّ الأعداء، ويتوعدهم بغضبٍ آتٍ، ثم يبكي بحرقة عند إذاعة خطاب «التنحي».
لكن مع زمن الانفتاح، ينقلب تمامًا؛ يتحول إلى تاجر سلاح، يقتات على آثار الحرب، ولا يتردد في التخلص من شريكه قـتـ ـلًا، لأنه لا ينسجم مع طموحه الجامح وطرقه الملتوية في جمع المال.
المفارقة المؤلمة تتجلى في إنسانيته المتناقضة؛ يحب أبناءه بصدق، ويلاعب أحفاده برقة، بينما هو في جوهره قاتـ ـل، لص، مخادع… رجل لا يتورع عن إزاحة كل من يقف في طريقه. إنها تركيبة إنسانية معقدة، تثير الدهشة بقدر ما تثير القلق.
أما دلال، فنراها في البدء واقعة تحت سحره، مأخوذة بدهائه، ثم تتحول مشاعرها تدريجيًا إلى كرهٍ جارف ورغبة في الانتقام، حتى تنتهي حياتها على يديه.
حتى الأبناء، تتجلى فيهم ثنائية الخير والشر.
الابن المتفوق، المتدين، الوديع " أحمد سلامة " الذي يشق طريقه في السلك الجامعي، يمثل صورة الابن الصالح،
بينما الآخر " شريف منير" يفشل في إكمال تعليمه، ويرث قسوة أبيه وطباعه الحادة.
ويبقى النموذج الوحيد الذي لم تنل منه تقلبات الزمن هو الأخت " رجاء حسين " التي ظلت تحتفظ بقلبٍ محب، يتسع للجميع، متعاطفًا مع الكل، كأنها تجسيد لحلمٍ طوباوي نقي.
كانت، في حياة شيخون، بمثابة الكابح الخفي، الذي يحدّ من اندفاعه، ويدعوه إلى الخير.
لكن حتى هذا القلب النقي لم يسلم؛ فمع توالي الأحداث، وتحت وطأة القرب من شيخون، يتحول حبها الكبير إلى كرهٍ موجع، لتطلق عبارتها القاسية في نهاية الفيلم: «منك لله».
يعتمد العمل على ثيمة الزرع والحصاد؛ كيف أن أفعال الإنسان في بداياته لا بد أن تعود إليه في نهاياته.
وهذا ما يتجسد بوضوح في خاتمة الفيلم، حين يذوق شيخون الذي زرع الحزن في قلوب الآخرين مرارة الفقد، بخسارته لابنه الصالح.
ومن هنا، يكتسب العنوان دلالته الذكية: «أبناء وقـتـ ـلة».
أما بصمة عاطف الطيب، فتبدو جلية في رسمه الدقيق للواقع الاجتماعي لتلك الحقبة؛ إذ نتابع، على مدار أكثر من ساعتين، سلسلة من التحولات الفكرية والاقتصادية والسياسية، في بناء درامي متماسك، نابض بالحياة.
وقد أجاد جميع الممثلين دون استثناء، وعلى رأسهم محمود عبد العزيز، الذي قدّم شخصية شيخون بثراءٍ إنساني لافت، كاشفًا عن طبقاتها المتعددة، ومشاعرها المتقلبة، وتحولاتها الدرامية العميقة.
قدّمت نبيلة عبيد أحد أبرز أدوارها في هذا الفيلم، على الرغم من قلة مشاهدها، إلا أنها تركت أثرًا لا يُمحى في نسيج العمل.
أما رجاء حسين، فقد جسّدت دورًا متفردًا، شخصية أخت شيخون الأصيلة، المجبولة على المحبة، والتي بدت كأنها النبض الإنساني الخافت وسط عالم مضطرب.
وفي البدايات الأولى، ظهر أحمد سلامة وشريف منير، وقدما أداءً لافتًا يكشف عن موهبة واعدة، وحضورٍ قادر على فرض نفسه.
بينما قدّم مجدي وهبة دورًا استثنائيًا، يليق بمكانة فنان كبير لم ينل، ربما، ما يستحقه من تسليط الضوء.
ورغم هذا التماسك الفني، لا يخلو العمل من بعض المآخذ؛ لعل أولها جودة الصورة وألوانها، وهي سمة بدت شائعة في كثير من إنتاجات تلك المرحلة.
كما تبدو في بعض المشاهد محاولة واضحة للحفاظ على ديكورات وملامح الحقبة الزمنية، غير أن الكاميرا قد تلتقط، أحيانًا، تفاصيل شاردة عن زمنها كسيارة حديثة تمر في خلفية مشهد يفترض انتماءه لزمنٍ مضى إلى جانب بعض الملامح غير المنضبطة في الشوارع الخارجية.
إنها هنات بسيطة، أو ما يُعرف بـ “Goofs”، لكنها تظل مقبولة في سياق عملٍ بهذا الثراء.
ولا يمكن إغفال مشهد النهاية الآسر، الذي جمع شيخون " محمود عبد العزيز" بأحمد غانم " مجدي وهبة "، حيث تتصاعد المواجهة حتى تبلغ ذروتها بمـقـتـل الابن الصالح زهير " أحمد سلامة . كانت لحظة مشحونة، أشبه بمبارزة إبداعية رفيعة المستوى بين عبد العزيز ووهبة.
كما لا يمكن أن تمر الموسيقى التصويرية مرورًا عابرًا؛ فقد أبدع محمد هلال في صياغتها، مضيفًا إلى العمل حالة وجدانية آسرة، صبغت مشاهده بمسحة فنية شجية، تُلامس الوجدان بعمق.
إنه فيلمٌ أُحبه… فيلم لا يمر أمامي عابرًا إلا وأجدني منجذبًا إليه، أتابعه حتى لقطته الأخيرة، وكأنني أراه للمرة الأولى في كل مرة.
اقرأ أيضًا: مي كساب:للشمس اليوم «نون النسوة» خطوة مختلفة تعيدني إلى عالم الغناء
اقرأ أيضًا: فيلم 7DOGS: إنتاج عربي ضخم يثير ترقب الجماهير حول العالم





تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي