آخر المواضيع

تحية كاريوكا وبدايات الأسطورة

تحية كاريوكا وبدايات الأسطورة

جسد يفر من القدر: البدايات الخفية لتحية كاريوكا

كتب : يوسف الصاوي

في لحظة تبدو منفصلة عن الزمن، كانت فتاة في الثانية عشرة من عمرها تركض حافية في شوارع الإسماعيلية، متجهة إلى محطة قطار لم تكتمل ملامحها بعد في ذاكرة المدينة. لم تكن تعرف إلى أين ستقودها العربة الحديدية التي تندفع بالبخار، لكنها كانت تدرك أن ما تتركه خلفها أشبه بقيد ثقيل لا يصلح للحياة.

قبل هذا المشهد بعقود طويلة، كان العمل في مد خط السكك الحديدية بين السويس والإسكندرية قد بدأ، ليصنع للمرة الأولى ممرًا حديديًا يعيد تشكيل حركة البشر، ويمنح فكرة “الرحيل” معنى أكثر قسوة وقطيعة. فالقطار لم يكن مجرد وسيلة انتقال، بل إعلانًا عن انفصال محتمل عن كل ما هو مألوف، وعن حياة يمكن أن تُستبدل بأخرى في لحظة.

في مدينة الإسماعيلية، وتحديدًا في حي الثلاثيني، كانت الحدود بين العالمين—العربي والأوروبي—تبدو واضحة وملتبسة في آن واحد. مدينة وُلدت من قلب مشروع قناة السويس، حيث اختلطت الهجرات القديمة بطموحات الغرباء، وتشكّلت ملامح مجتمع جديد لا يشبه ما قبله. هناك، كانت تحية كاريوكا تنتمي إلى سلالة طويلة من التحولات، سلالة بدأت من نجد والجزيرة العربية، مرورًا بالشرقية، وصولًا إلى ضفاف القناة.

جدها، علي النيداني، جاء ضمن موجات الهجرة القديمة، واستقر في التجارة كعادة أبناء القبائل التي تحفظ وجودها عبر المال والنسب. كان يضع قواعد صارمة للعائلة، أهمها ألا يخرج الدم إلى خارج الدائرة المغلقة، حفاظًا على السلطة والثروة. لكن الزمن لم يبقِ هذه الصرامة على حالها؛ فابنه انفتح على البحر، وابتكر لنفسه عالمًا تجاريًا عابرًا للمياه، متنقلًا بين خليج السويس والإسماعيلية، حيث البيوت الواسعة والنفوذ الممتد.

وفي الجيل التالي، تزوج محمد علي النيداني من فاطمة الزهراء، في خطوة كسرت بعضًا من الأعراف الطبقية القديمة، وجاء منها امتداد جديد للعائلة، امتزج فيه الإرث التقليدي مع ملامح مجتمع يتغير بصمت. كانت هذه الخلفية هي التربة التي وُلدت فيها تحية كاريوكا، قبل أن يبدأ قدرها الحقيقي في التشكل خارج حدود العائلة.

لكن هذه النشأة لم تكن هادئة. فقد تحولت العائلة، مع الزمن، إلى مساحة مغلقة تُدار بالسلطة والقسوة، خصوصًا بعد أن سيطر الأخ الأكبر على مفاصل القرار داخلها. هناك، لم تكن الفتاة الصغيرة تملك إلا محاولات متكررة للهروب، كان يُعاد ضبطها في كل مرة، وكأنها تُزرع قسرًا في مكان لا يشبهها.

ومع ذلك، لم يكن الهروب الأخير عاديًا. فقد جاء نتيجة سلسلة من الخيانات الصغيرة داخل البنية العائلية نفسها، حين بدأ بعض الأقارب في كسر دائرة الطاعة الصارمة. ومن هنا بدأت تحية رحلتها الحقيقية: قفزات متتابعة بين الأسطح، اختباء في بيوت الجيران، وجريٌّ محموم نحو مخرج واحد فقط—المدينة.

في تلك اللحظة، كان القطار حاضرًا كرمز للخلاص والمجهول في آن واحد. ومعه ظهرت صورة سعاد محاسن، الراقصة التي تمثل نموذجًا آخر للهروب، لكنها هذه المرة هاربة من حياة أبعد، من زوج غيور ومن مدينة أخرى، لتجد في شارع عماد الدين فضاءً جديدًا للظهور والاختفاء.

جسد يفرّ من القدر: البدايات الخفية لتحية كاريوكا

كانت سعاد هي الباب الذي تخيّلته تحية، صوتًا يقول: “ تعالي ” ليس دعوة سهلة، بل وعدًا غامضًا بحياة أخرى ممكنة، حياة تُصنع خارج جدران العائلة وسلطتها.

تفاصيل هذه الرحلة ستُروى لاحقًا على لسان تحية نفسها، لكنها، في جوهرها، لم تكن مجرد هروب جسدي، بل انتقالًا من مصير مفروض إلى احتمال مفتوح، من سجن العائلة إلى اتساع المدينة، ومن الخضوع إلى اكتشاف الذات.

ومع مرور الزمن، يمكن قراءة هذه الحكاية لا كواقعة فردية، بل كعلامة على عصر كامل، بدأت فيه الوسائل الحديثة—كالقطارات والمدن—تمنح البشر فرصة لإعادة تعريف أنفسهم، حتى لو كان الثمن هو القطيعة مع الماضي.

لم يكن الفن في حياة تحية نتيجة قرار بسيط أو رغبة سطحية في الشهرة، بل كان امتدادًا طبيعيًا لمسار هروب طويل، تحوّل فيه الألم إلى طاقة، والقسوة إلى حركة، والمقاومة إلى جسد يرقص.

وهكذا، حين التقت لاحقًا ببديعة مصابني، لم تكن الفتاة الهاربة مجرد فتاة خرجت من بيتها، بل كانت مشروع أسطورة بدأ يتشكل، جسد خرج من القيد ليكتب حريته على خشبة المسرح.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

إعلان Google AdSense

أخبار تقنية

إعلان Google AdSense

فيديو