الفصل الأول: معاناة سندريلا
كان هناك رجل نبيل تزوّج بعد وفاة زوجته الأولى من امرأة اتسمت بالقسوة والتكبر وسوء الخلق. ولم تكن وحدها على هذه الشاكلة، فقد كان لها ابنتان ورثتا عنها طباع الحسد واللؤم، فصارتا نسخة منها في التصرفات والنية.
أما ابنة الرجل من زوجته الأولى، سندريلا، فكانت على النقيض تمامًا؛ فتاة رقيقة القلب، طيبة النفس، جميلة الملامح، تحمل في داخلها صفاءً ورثته عن أمها الراحلة.
لم يمر وقت طويل على هذا الزواج حتى بدأت الزوجة الجديدة تكشف عن وجهها الحقيقي، فصارت تعامل سندريلا بغلظة وقسوة، لا لذنب اقترفته، بل بدافع الغيرة من جمالها وأخلاقها الهادئة، التي كانت تجعل ابنتيها تبدوان أكثر قبحًا في عيون الجميع.
شيئًا فشيئًا، تحوّلت حياة سندريلا إلى سلسلة من الأعمال الشاقة؛ كانت تقضي يومها في تنظيف الأواني، وتلميع الأثاث، ومسح الأرضيات، وترتيب الفراش منذ الصباح الباكر. ولم تكتفِ زوجة أبيها بذلك، بل أجبرتها على النوم في علّية المنزل، فوق سرير من القش البالي.
وفي الوقت الذي كانت فيه سندريلا تعاني من التعب والحرمان، كانت ابنتا زوجة أبيها تعيشان حياة مترفة، تنعمان بأسِرّة فاخرة داخل غرف مزينة بأجمل الأثاث، وتحيط بهما مرايا كبيرة تعكسان صورتهما كاملة.
وكانت الأم تغدق عليهما كل مظاهر الاهتمام، فتمنحهما أجمل الثياب وأطيب الطعام، بينما لم تنل سندريلا سوى ملابس قديمة مهترئة، لا تقيها برد الشتاء ولا تحفظ لها كرامتها.
ورغم ما كانت تبذله من جهد طوال النهار، لم يُسمح لها بالراحة إلا في وقت متأخر من الليل، حين تضعف نار المدفأة وتكاد تنطفئ. عندها فقط كانت تجلس بالقرب من الرماد، تستمد منه قليلًا من الدفء، وكأن تلك البقايا الخافتة من النار هي عزاؤها الوحيد في نهاية يوم قاسٍ.
وبرغم كل ما عانته، كانت سندريلا تتحمل بصمت، لا تشكو ولا تعترض. ولم تفكر يومًا في إخبار والدها بما يحدث، إذ كانت تعلم أنه واقع تحت تأثير زوجته، يصدقها في كل ما تقول، ولا يجرؤ على مخالفتها. فآثرت الصمت، واحتفظت بألمها داخل قلبها.
الفصل الثاني: دعوة الأمير
في أحد الأيام، وصلت إلى المنزل دعوة من القصر الملكي، تُعلن عن حفل كبير أقامه الأمير، ودعا إليه جميع فتيات البلدة ليحضرن في أبهى زينة وأجمل هيئة. كانت الدعوة عامة، لا تستثني أحدًا، ما يعني أن سندريلا كان من حقها أن تكون بين المدعوات.
لكن زوجة أبيها كان لها رأي آخر؛ فقد رفضت ذهابها تمامًا، وأجبرتها بدلًا من ذلك على تجهيز ملابسها وملابس ابنتيها للحفل. انشغلت سندريلا بكيّ الفساتين وترتيبها، وتولت كذلك تسريح شعرهن، بينما كانت تراقب استعدادهن في صمت، وكأنها خارج هذا العالم.
لم تجرؤ حتى على طلب الإذن بالذهاب، فهي تعرف قسوة الرد مسبقًا. واكتفت بأن تُسرّ بأمنيتها لقط المنزل، متخيلةً حوارًا لن يحدث، تسأل فيه إن كان بإمكانها مرافقتهم، فتأتيها الإجابة القاسية التي تحفظها عن ظهر قلب: أنها ستبقى في المنزل لتنظيف الأواني ومسح الأرض، وتجهيز كل شيء لعودتهن المتعبة بعد الحفل.
الفصل الثالث: الطيف والعصا السحرية
لم تمضِ لحظات طويلة على جلوس سندريلا تبكي أمام المنزل، حتى سمعت صوتًا يناديها برفق. في البداية ظنّت أنها تتوهم، لكن حين التفتت خلفها، رأت طيف امرأة مهيبة وجميلة، فشعرت بشيء من الدهشة امتزج بالخوف. وسرعان ما أدركت أن هذا الطيف ليس غريبًا عنها، بل هو طيف أمها الراحلة.
تبدّد الخوف من قلبها تدريجيًا، وحلّ مكانه شعور غامر بالطمأنينة. سألتها المرأة عن سبب حزنها، فانفجرت سندريلا تروي ما في صدرها؛ تحدثت عن قسوة زوجة أبيها، وظلم ابنتيها، وعن الأيام الطويلة التي تقضيها في العمل الشاق دون راحة، وعن حرمانها من أبسط حقوقها، بينما تنعم الأخريان بكل شيء. كانت كلماتها تخرج متقطعة بين الدموع، وكأنها تحمل سنوات من الألم الصامت.
استمعت المرأة إليها بهدوء، ثم أخبرتها أنها تعلم جيدًا أمنيتها في حضور حفل الأمير، وأنها جاءت لتساعدها على تحقيقها. لم تصدق سندريلا ما سمعت، وتسارعت الأسئلة في ذهنها: كيف لها أن تذهب دون فستان أو حذاء أو وسيلة تنقل؟ لكن المرأة طمأنتها، وطلبت منها إحضار بعض الأشياء البسيطة.
على الرغم من دهشتها من تلك الطلبات، سارعت سندريلا لتنفيذها. وبعد قليل عادت ومعها حبة قرع كبيرة، وعدد من الفئران، وبعض السحالي الصغيرة. عندها ظهرت العصا السحرية في يد المرأة، تتلألأ كأنها قطعة من ضوء النجوم في عتمة الليل.
رفعت المرأة عصاها وأشارت بها إلى حبة القرع، فتحولت في لحظة إلى عربة فاخرة تفوق في جمالها كل ما رأته سندريلا من قبل. ثم أشارت إلى الفئران، فتحولت إلى جياد قوية وأنيقة، بينما صار الفأر الأكبر سائقًا بملابس رسمية، وتحولت السحالي إلى خدم يقفون في استعداد بجوار العربة.
وقفت سندريلا مبهورة، لا تكاد تصدق ما تراه عيناها. لكن المفاجأة الأكبر كانت حين أشارت المرأة بعصاها إليها، فتحولت ثيابها البسيطة إلى فستان رائع يلمع بجمال أخّاذ، والتف حول عنقها عقد فاخر، وظهرت في قدميها حذاء زجاجي براق كأنه قطعة من الضوء.
وقبل أن تنطق بكلمة، أخبرتها المرأة أن الوقت لا يسمح بالكثير من الحديث، وأن عليها أن تنطلق فورًا إلى الحفل. لكنها حذّرتها من أمر مهم: يجب أن تعود قبل منتصف الليل، لأن السحر لن يدوم بعد تلك اللحظة، وكل شيء سيعود إلى حاله الأول.
هزّت سندريلا رأسها موافقة، وقد امتلأ قلبها بالفرح والترقّب. فتح الخدم باب العربة، فصعدت إليها، وانطلقت في طريقها نحو القصر، تحمل معها حلمًا طال انتظاره.
وجاء يوم الحفل أخيرًا، فارتدت زوجة أبيها وابنتاها أجمل ما لديهن، وانطلقن إلى القصر الملكي، تاركات سندريلا وحدها خلفهن. وقفت الفتاة عند الباب، تتابع العربة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا، تتمنى لو كانت بداخلها، ولو لمرة واحدة.
ظلت عيناها معلّقتين بالطريق حتى غابت العربة عن الأنظار، وعندها لم تستطع حبس دموعها. كانت تشعر بحسرة عميقة، فهي أكثر من تمنّت حضور الحفل، وأكثر من كانت تستحق تلك اللحظة. وتسلل إلى قلبها حنين مؤلم، وهي تتخيل كيف كان سيكون حالها لو أن أمها ما زالت على قيد الحياة، وكيف كانت سترافقها إلى الحفل بدلًا من أن تبقى وحيدة، تقضي ليلتها بين الأواني والأرضيات، بينما تملأ الموسيقى والفرح أرجاء القصر.
الفصل الرابع: الحفلة ومنتصف الليل
ما إن وصلت سندريلا إلى القصر حتى عمّت الدهشة أرجاء المكان، وارتفعت الهمسات بين الحضور. رحّب بها الحرس على البوابة باعتبارها أميرة غامضة لم يعرفها أحد من قبل، وسرعان ما أُبلغ الأمير بوصولها.
حين وقعت عينا الأمير عليها، أُسِر بجمالها وأناقتها، فتقدّم لاستقبالها بنفسه، ولم يفارقها طوال الحفل. جلس إلى جوارها، وتبادل معها الحديث، وشاركها الرقص، وكأن القاعة بأكملها قد اختفت ولم يبقَ سواهما.
لم يكن الأمير وحده من انبهر بها، بل أصبح حضورها حديث الجميع، بمن فيهم زوجة أبيها وابنتاها، اللاتي لم يدركن أن تلك الأميرة الساحرة هي نفسها سندريلا. ظللن يتحدثن عنها بإعجاب طوال الحفل، وحتى بعد عودتهن إلى المنزل، دون أن يعلمن أن الفتاة التي يمدحنها تجلس أمامهن في صمت.
تذكّرت سندريلا وصية أمها، فاستأذنت قبل منتصف الليل بقليل، وغادرت القصر بعدما وعدت الأمير بأنها ستعود في الليلة التالية. ظل الأمير ينتظر هذا اللقاء بشوق، وقد تعلّق قلبه بها منذ اللحظة الأولى.
وفي الليلة التالية، تكرر المشهد من جديد. عادت زوجة أبيها وابنتاها إلى الحفل، بينما ظهرت الأم لتمنح سندريلا سحرها مرة أخرى، لكن هذه المرة بفستان أكثر روعة وتألقًا. انطلقت سندريلا إلى القصر، فأسرت القلوب مجددًا، وبقي الأمير إلى جانبها طوال السهرة، لا يرى سواها.
غير أن السعادة أنستها الوقت، ولم تنتبه إلى مرور الساعات إلا حين دقّت الساعة معلنة منتصف الليل. في لحظة ارتباك، اندفعت مسرعة خارج القاعة، تحاول اللحاق بالوقت قبل أن ينقضي السحر.
أثناء هروبها، سقطت إحدى فردتي حذائها الزجاجي على درج القصر، لكنها لم تتوقف لالتقاطها خوفًا من أن يفوتها الأوان. حاول الأمير اللحاق بها، لكنه لم يتمكن من الوصول إليها، إذ اختفت فجأة كما ظهرت، واختفى معها كل أثر للعربة والجياد والخدم.
لم يبقَ سوى الحذاء الزجاجي، الذي التقطه الأمير وهو ينظر إليه بحزن، متشبثًا بالأمل الوحيد الذي قد يقوده إليها من جديد.
الفصل الخامس والأخير: حذاء سندريلا
مرّت الأيام، والأمير غارق في حزن عميق، لا يفكر إلا في تلك الفتاة التي خطفت قلبه ثم اختفت. لم يكن يملك سوى فردة الحذاء الزجاجي، لكنه آمن أنها السبيل الوحيد للعثور عليها.
وفي لحظة إلهام، أمر بأن يُطاف بالحذاء على جميع بيوت البلدة، وأن تُقاسه كل فتاة، على أن يتزوج صاحبة القدم التي يناسبها الحذاء تمامًا.
انطلق الحرس ينفذون الأمر، وبدأت الفتيات في تجربة الحذاء واحدة تلو الأخرى، لكن دون جدوى. لم يكن يناسب أيًّا منهن، رغم محاولات البعض إجبار أقدامهن على الدخول فيه.
وأخيرًا، وصل الحرس إلى منزل سندريلا. سارعت الأختان لتجربة الحذاء، لكن محاولاتهما باءت بالفشل. وحين طلبت سندريلا أن تجرّبه، قوبلت بالسخرية، وحاولت زوجة أبيها منعها، إلا أن كبير الحرس أصرّ على تنفيذ أوامر الأمير دون استثناء.
جلست سندريلا بهدوء، وما إن أدخلت قدمها في الحذاء حتى استقر في مكانه بسهولة تامة، كأنه صُنع لها وحدها. وقبل أن يفيق الجميع من دهشتهم، أخرجت الفردة الأخرى، لتؤكد الحقيقة التي لم يعد هناك مجال لإنكارها.
في تلك اللحظة، ظهرت أمها مرة أخرى، وأعادت بسحرها هيئة سندريلا المتألقة، فعادت كما كانت في الحفل، أميرةً تخطف الأنظار.
انهارت الأختان ندمًا، وطلبتا منها الصفح عما بدر منهما، فقابلتهما سندريلا بقلبها الطيب، وعفت عنهما دون تردد.
اصطحبها الحرس إلى القصر، وهناك استقبلها الأمير بفرح لا يوصف، وقد عاد الأمل إلى قلبه أخيرًا. وبعد أيام قليلة، تم زواجهما في احتفال كبير، امتلأ بالبهجة والسرور.
وبروحها النبيلة، لم تنسَ سندريلا ماضيها، فمدّت يد العفو والمحبة، وفتحت صفحة جديدة، لتبدأ حياة مختلفة، عنوانها السعادة والتسامح.



تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي