أفيش أصلي للفيلم بواسطة بحب السيما bahab elcima
حكاية فيلم ممنوع من العرض
يُعد هذا الفيلم من الأعمال النادرة العرض على شاشات التليفزيون. فقد أثار ضجة كبيرة جدًا عند عرضه، حتى اتهم نور الشريف في ذلك الوقت بـ"خيانة الوطن".
ناجي العلي، الرسام الكاريكاتيري الفلسطيني، تميزت رسوماته بالسخرية اللاذعة والنقد السياسي الحاد، وقد ابتكر شخصية حنظلة الطفل الصغير الذي يعقد يده خلف ظهره، ليصبح رمزًا للتعبير عن المواطن الفلسطيني وقضاياه.
شارك نور الشريف مع إحدى شركات الإنتاج الفلسطينية في إنتاج مشروع فيلم «ناجي العلي»، بالتعاون مع إحدى المجلات، وهي مجلة فن، وعُرض عام 1992.
لكن مساهمة نور الشريف في إنتاج الفيلم سببت أزمة كبرى بينه وبين الكاتب الراحل إبراهيم سعدة، رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم في ذلك الوقت، المعروف برفضه لرسومات ناجي العلي. فقرر منع نشر اسم نور الشريف بالجريدة، وشن هجومًا عنيفًا على الفيلم، بمشاركة عدد كبير من كتاب الجريدة. وسريعًا ما امتدت الحملة لتشاركها صحف وأقلام أخرى في الهجوم على نور الشريف.
الفيلم مُنع من العرض في العديد من الدول العربية، وتعرض نور الشريف لحملات نقد واسعة في الصحف المصرية، بسبب تجاهل الفيلم لدور مصر في لبنان وانتصار حرب أكتوبر 1973، مع طرح موقف ناجي العلي المعارض للقادة العرب وعلى رأسهم الرئيس الراحل أنور السادات.
حتى أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات سافر إلى القاهرة ليطلب من الرئيس المصري محمد حسني مبارك منع عرض فيلم ناجي العلي في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي.
وتحدث نور الشريف في حوار سابق له مع الكاتب مدحت العدل أنه فوجئ ببعض زملائه ينتقدونه في الصحف، فيما وصفته بعض الأقلام بأنه غير وطني، واتهموه بالحصول على 3 ملايين دولار أمريكي من منظمة التحرير الفلسطينية لتنفيذ الفيلم.
وأشار نور الشريف إلى أن مبارك أخبر عرفات بعدم مشاهدته للفيلم، واستند إلى مستشاره الدكتور أسامة الباز، الذي أكد له أن الفيلم لا يسيء إلى القضية الفلسطينية. وتم عرض ناجي العلي في المهرجان، وعُرض بدور العرض في يناير عام 1992، لكنه مُنع من العرض في العديد من القنوات الفضائية.
استنادًا إلى هذه الوقائع
يمكن قراءة فيلم ناجي العلي بوصفه أكثر من عمل سينمائي مثير للجدل؛ فهو شهادة فنية على اللحظة التي اصطدمت فيها السينما العربية مباشرة بجدار السياسة، لا بوصفها خطابًا دعائيًا، بل كفعل سؤال ومساءلة. فالقضية الحقيقية التي فجّرها الفيلم لم تكن في سيرة رسام كاريكاتير، بل في الجرأة على تحويل الرمز إلى إنسان، والموقف إلى حكاية، والاختلاف إلى مادة فنية غير قابلة للترويض.
إن المنع الذي طال الفيلم لا يمكن فهمه خارج سياقه التاريخي. أوائل التسعينيات كانت لحظة حساسة عربيًا؛ مرحلة إعادة ترتيب التحالفات، وتلطيف الخطاب السياسي، وتحييد الأصوات الحادة. في هذا المناخ، بدا فيلم «ناجي العلي» نشازًا مقصودًا، لأنه استعاد صوتًا رفض التسويات الرمادية، وأصر على طرح الأسئلة المؤلمة التي حاولت الأنظمة تجاوزها أو دفنها. السينما هنا لم تكن ترفًا ثقافيًا، بل خطرًا سياسيًا.
الفيلم لا يقدّم ناجي العلي كبطل أسطوري، ولا كشهيد مُعلّق على جدار الذاكرة، بل كإنسان مأزوم، حاد، قاسٍ أحيانًا، وصادق إلى حد الإزعاج. وهذا بالضبط ما جعل العمل صعب الهضم. فالمجتمعات – كما الأنظمة – تتسامح مع الرمز حين يتحول إلى أيقونة صامتة، لكنها ترتبك حين يُعاد إليه صوته وأسئلته. ناجي العلي في الفيلم لا يهادن، ولا يقدّم حلولًا، بل يفضح التناقض، ويعرّي الخطاب، ويضع الجميع في مرمى النقد.
ومن هنا يمكن فهم الهجوم العنيف الذي تعرض له نور الشريف، لا كممثل فقط، بل كمثقف اختار الانحياز لفكرة حرجة. الاتهامات بالخيانة، والتشكيك في النوايا، وتلفيق قصص التمويل، كلها آليات معروفة لإسكات الصوت المختلف. فحين تعجز المنظومة عن تفنيد الفكرة، تنتقل إلى تشويه صاحبها. ولم يكن نور الشريف الهدف الحقيقي، بل الرسالة التي يحملها الفيلم: أن الفن يمكن أن يكون موقفًا.
أما عاطف الطيب، فقدّم في «ناجي العلي» واحدة من أكثر تجاربه قسوة وصدقًا. هو مخرج ارتبط اسمه دومًا بالسينما المنحازة للإنسان المقهور، لكن هنا بلغ ذروة المواجهة. الطيب لم يصنع فيلمًا تصالحيًا، بل فيلمًا صداميًا، يعرف مسبقًا أنه سيدفع ثمنه. اختياره للغة بصرية جافة نسبيًا، وإيقاع متوتر، وحوارات مباشرة أحيانًا، يعكس طبيعة الشخصية نفسها، ويُحمّل المتلقي عبء المواجهة لا متعة الهروب.
الفيلم أيضًا يطرح سؤالًا جوهريًا حول حدود “الوطنية” في الفن. هل الوطنية هي ترديد الخطاب الرسمي؟ أم الدفاع عن الحق في الاختلاف؟ «ناجي العلي» يختار الإجابة الأصعب: الوطنية بوصفها ضميرًا نقديًا، لا نشيدًا جماعيًا. ولهذا بدا الفيلم خطرًا، لأنه يخلخل التعريفات الجاهزة، ويعيد طرح السؤال: من يملك حق الكلام باسم القضية؟
ومن المفارقات أن الفيلم، رغم منعه وتهميشه، اكتسب مع الزمن قيمة مضاعفة. فكل ما اعتُبر وقتها استفزازًا، بات اليوم مادة للتأمل وإعادة القراءة. شخصية حنظلة، التي حاول البعض فصلها عن صانعها، تعود في الفيلم إلى أصلها: طفل يراقب، لا يدير ظهره عبثًا، بل رفضًا. وهذه الدلالة وحدها كافية لتفسير الخوف من العمل.
إن ناجي العلي يثبت أن أخطر ما يمكن أن يفعله الفن هو أن يكون صادقًا في زمن المساومات. هو فيلم لا يطلب التعاطف، بل يفرض المواجهة. لا يسعى للانتشار، بل يتحمل العزلة. ومن هنا تأتي أهميته التاريخية، لا بوصفه فيلمًا ممنوعًا فقط، بل بوصفه لحظة كشف: كشف حدود الحرية، وحدود القبول، وحدود ما يُسمح للفن بقوله.
في النهاية، يبقى «ناجي العلي» شاهدًا على زمن حاول أن يكمّم الفن، فحوّله إلى وثيقة مقاومة. وربما لم يُعرض كثيرًا، ولم يُحتفَ به كما يستحق، لكنه حقق ما هو أبقى: أن يظل سؤالًا مفتوحًا، وأن يذكّرنا بأن السينما، حين تكون صادقة، لا تُمنع… بل تُؤجل.



تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي