🎬 كيف صاغ هنري بركات سينماً لا نصاً؟
يُعد فيلم الحرام واحدًا من العلامات الفارقة في السينما المصرية، ليس فقط لقيمته الفنية العالية، بل لجرأته الإنسانية وقدرته النادرة على كشف المسكوت عنه داخل المجتمع الريفي المصري في ستينيات القرن الماضي. الفيلم من إنتاج عام 1965، مأخوذ عن قصة للأديب الكبير يوسف إدريس، أخرجها بحساسية شديدة المخرج هنري بركات، وقاد بطولتها أداء استثنائي لكل من فاتن حمامة، عبد الله غيث، وزكي رستم.
العمل لم يمر مرور الكرام على الساحة السينمائية العالمية، إذ تم ترشيحه لجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1965، وهو إنجاز نادر في ذلك الوقت. كما رسّخ مكانته محليًا باحتلاله المركز الخامس ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية وفق استفتاء كبار النقاد.
قصة الفيلم: حين يتحول الفقر إلى جريمة صامتة
تدور أحداث الفيلم في بيئة قاسية لعالم عمال التراحيل، حيث تعيش عزيزة مع زوجها عبد الله حياة شاقة تحكمها الحاجة اليومية والكفاح من أجل البقاء. يصاب الزوج بمرض يُقعده عن العمل، فتجد عزيزة نفسها وحدها في مواجهة الفقر والمسؤولية، تتحمل العبء الجسدي والنفسي في صمت مطبق.
في لحظة إنسانية بسيطة، يشتهي الزوج طعامًا طال غيابه عن مائدتهم، فتنطلق عزيزة إلى الحقول بحثًا عن بعض البطاطا من الأرض. لكن هذه الرحلة القصيرة تتحول إلى نقطة الانكسار الكبرى في حياتها، حين يفاجئها أحد شباب القرية ويعتدي عليها، لتدخل في دوامة من الرعب والعار والخوف.
تحمل عزيزة ثمرة الجريمة، وتنجح في إخفاء حملها عن أعين الجميع، خصوصًا أن علاقتها بزوجها منقطعة بسبب مرضه، ما يجعل أي شك بمثابة حكم بالإدانة. تعيش شهور الحمل كأنها تحمل سرًا أثقل من جسدها، حتى تلد طفلها في عزلة تامة.
وفي لحظة مأساوية تختلط فيها الغريزة بالألم والخوف، تخشى أن يفضح بكاء الرضيع سرها، فتحاول إسكات صراخه، دون وعي، لينتهي الأمر بجريمة لم تكن مقصودة بقدر ما كانت نتيجة طبيعية لقسوة الواقع. تعود عزيزة بعدها إلى العمل، منكسرة، مثقلة بالجسد والروح، وكأن شيئًا لم يحدث… بينما كل شيء في داخلها قد تحطم.
قراءة أعمق: السينما كصرخة إنسانية
لا يقدم «الحرام» حكاية تقليدية عن الذنب والعقاب، بل يطرح سؤالًا أكثر قسوة: من المذنب الحقيقي؟
هل هي المرأة المقهورة؟
أم المجتمع الصامت؟
أم الفقر الذي يدفع البشر إلى حافة الجنون؟
بإخراج بالغ الحساسية، وأداء تمثيلي يُعد من قمم مسيرة فاتن حمامة، يتحول الفيلم إلى شهادة فنية على زمن، وعلى شريحة منسية من البشر، وعلى قدرة السينما على أن تكون ضميرًا حيًا لا مجرد وسيلة ترفيه.
الحرام ليس فيلمًا يُشاهد فقط، بل تجربة تُعاش… وتترك أثرها طويلًا بعد انتهاء المشهد الأخير.
🎬التمثيل الرمزي للخطيئة والسلطة الاجتماعية في فيلم الحرام: قراءة نقدية في الواقعية المصرية
يحتل فيلم «الحرام» (1965) موقعًا مركزيًا في تاريخ السينما المصرية بوصفه عملًا يتجاوز السرد الدرامي إلى تفكيك البنية الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع الريفي في منتصف القرن العشرين. فالفيلم، المأخوذ عن نص أدبي ليوسف إدريس وأخرجه هنري بركات، لا ينشغل بمفهوم الذنب بوصفه مسألة فردية بقدر ما يقدمه كمنتج اجتماعي تُصاغ معاييره وفق منظومة قمعية تُحمّل المرأة وحدها عبء الخطيئة، بينما تتوارى الأسباب البنيوية خلف ستار الأعراف.
ينطلق العمل من فضاء عمال التراحيل، وهي فئة مهمشة تعيش على هامش الاقتصاد الزراعي، حيث يتقاطع الفقر مع المرض والعجز وانعدام الأمان. في هذا السياق، لا يُقدَّم المرض – ممثلًا في إصابة الزوج بالبلهارسيا وما يترتب عليها من عجز – بوصفه حالة بيولوجية فقط، بل كعامل يخلخل توازن السلطة داخل الأسرة، ويدفع المرأة إلى مواجهة المجتمع منفردة، بلا حماية ولا صوت.
تعتمد البنية الدرامية للفيلم على حدث مركزي هو واقعة الاغتصاب، غير أن المعالجة لا تضعه في إطار الإثارة أو الإدانة المباشرة، بل تجعله مدخلًا لتحليل أعمق: كيف يتحول الجسد الأنثوي إلى مساحة لإسقاط الخوف الجمعي؟ وكيف يُعاد تعريف الجريمة لتصبح “الخطيئة” هي وجود المرأة نفسها خارج القالب المقبول؟ هنا تتجلى قوة الفيلم في نقل الصراع من مستوى الحدث إلى مستوى الوعي، حيث تعيش البطلة صراعًا نفسيًا مركبًا بين الإحساس بالذنب والخوف من المجتمع، لا بين الخير والشر بمعناهما التقليدي.
البيئة الريفية التي اختارها هنري بركات ليست مجرد خلفية مكانية، بل عنصر بنائي أساسي في الخطاب الفيلمي. فالتصوير بالأبيض والأسود، وتكوينات الكادر التي تُبرز ضيق المساحات وتشابك البيوت والسواقي، تخلق إحساسًا بالحصار البصري يعكس حصار الشخصيات أخلاقيًا واجتماعيًا. هذه الواقعية البصرية، التي أسهم فيها مدير التصوير ضياء المهدي، حالت دون انزلاق الفيلم إلى الميلودراما، ومنحته بعدًا تحليليًا يجعل المشاهد شريكًا في طرح الأسئلة لا مجرد متلقٍ للحكاية.
يكتسب صوت الراوي في الفيلم وظيفة إشكالية ومقصودة في آن واحد. فهو لا يمثل حياد السرد، بل يعكس منطق الجماعة وقسوة أحكامها، وكأنه سلطة رمزية تُعيد إنتاج خطاب الإدانة. هذا الاختيار، الذي اعتبره بعض النقاد نقطة ضعف، يمكن قراءته كآلية تغريبية تضع المتلقي في مواجهة مباشرة مع صوت المجتمع، لا لتبنيه، بل لكشف تناقضاته وحدوده الأخلاقية.
من منظور دراسات السينما النسوية، يمكن اعتبار «الحرام» من أوائل الأعمال العربية التي طرحت مسألة لوم الضحية بوضوح، قبل أن تصبح موضوعًا مركزيًا في الخطاب الحقوقي المعاصر. فالفيلم لا يبرئ البطلة ولا يدينها بشكل مباشر، بل يتركها عالقة في منطقة رمادية، حيث تتحمل وحدها نتائج منظومة لم تشارك في صنعها. هذا الالتباس هو ما يمنح العمل راهنيته المستمرة، ويجعله قابلًا لإعادة القراءة في كل زمن.
على مستوى الأداء، قدّمت فاتن حمامة واحدًا من أكثر أدوارها تجريدًا من النجومية، معتمدة على الاقتصاد في التعبير والانغماس الكامل في الشخصية. أما عبدالله غيث وزكي رستم، فقد شكّلا بتمثيلهما امتدادًا للبنية القمعية التي يتحرك داخلها الحدث، كلٌّ من موقعه الاجتماعي. وتكامل ذلك مع موسيقى سليمان جميل، التي جاءت ذات طابع تعبيري لا وصفي، معتمدة على الآلات الشعبية لإيصال الحالة الشعورية العامة.
إن القيمة التاريخية لفيلم «الحرام» لا تكمن فقط في ترشيحه المبكر للسعفة الذهبية أو في موقعه المتقدم ضمن قوائم أفضل الأفلام، بل في كونه نموذجًا ناضجًا لتحويل النص الأدبي إلى خطاب سينمائي مستقل، قادر على مساءلة الواقع لا محاكاته فقط. وبعد أكثر من نصف قرن، ما زال الفيلم يفرض نفسه كعمل مفتوح على التأويل، يذكّر بأن الخطيئة، في كثير من الأحيان، ليست فعلًا فرديًا، بل نتاج منظومة اجتماعية كاملة.
🎬نسخة المخرج في الحرام: كيف صاغ هنري بركات سينماً لا نصاً؟
في عالم صناعة السينما، لا يقتصر العمل على كتابة السيناريو كقالب ثابت، بل يتعداه إلى مرحلة نسخة المخرج التي تتحول فيها الورقة إلى رؤية بصرية كاملة. وفي فيلم «الحرام» (1965)، تجلت هذه المرحلة بوضوح، حيث لم تكن مجرد إعادة ترتيب للمشاهد، بل كانت إعادة خلق للعالم الروائي بطريقة تضع الفيلم على أعتاب التميز والخلود.
تُعرف نسخة المخرج بأنها الوثيقة التي تتضمن تفاصيل التنفيذ السينمائي: المشاهد، الزوايا، الإضاءة، حركات الكاميرا، الإيقاع، وحتى الموسيقى واللقطات المقربة والبعيدة. هي مرحلة “الديكوباج” التي يترجم فيها المخرج النص إلى صورة، ويضفي عليها توقيعه الفني. في هذا الفيلم، لم يكن الديكوباج مجرد تقنية، بل كان لغة سرد قادرة على نقل قسوة الواقع الريفي وضغط المجتمع على الفرد.
كان يوسف إدريس قد وضع أساسًا سرديًا قويًا، لكن هنري بركات استطاع أن يحوّله إلى تجربة سينمائية متكاملة. بركات لم يتعامل مع النص كقصة تُروى، بل كـ فضاء يُعاش. ومن هنا تكمن عبقرية “نسخة المخرج” في «الحرام»: أنها جعلت من القرية ليس خلفية، بل شخصية أخرى تراقب وتدين وتقتل.
أحد أهم أدوات بركات في هذه المرحلة كان التصوير بالأبيض والأسود الذي اختاره ليس فقط لأسباب تقنية، بل لسبب جمالي وفكري. اللونان الأسود والأبيض في الفيلم لا يعبّران عن الجمال فقط، بل عن الانقسام الأخلاقي بين المجتمع والضحية، وعن تباين الحقيقة والظلم. وكأن العالم في الفيلم لا يملك مساحة للون، لأن الحياة هناك فقيرة ومقفلة.
كما أن تكوينات الكادر في الفيلم تعكس إحساسًا بالضيق والاختناق، خاصة في مشاهد القرية والبيوت الضيقة والمسارب الصغيرة. هذه التفاصيل ليست عشوائية، بل هي جزء من “ديكوباج” بركات الذي يجعل المشاهد يشعر بأنه محاصر داخل قرية تحكمها الأعراف أكثر من القانون.
أما أهم عنصر في نسخة المخرج، فهو إدارة المشهد النفسي للبطلة عزيزة. فبركات لم يعتمد على الحوار وحده لشرح معاناة المرأة، بل وظّف اللقطات الصامتة، والتعبيرات الدقيقة، وحركة الكاميرا القريبة، لتجسيد الصراع الداخلي الذي لا يمكن للكلمات أن تبلغه. في هذا الإطار، يتحول الصمت إلى لغة أبلغ من الكلام، ويصبح الوجع مرئيًا.
ولا يمكن تجاهل عنصر الراوي الذي اختاره بركات كجزء من “نسخة المخرج”. الصوت الجهوري الذي يفتتح الفيلم ويختتمه ليس مجرد سرد خارجي، بل جهاز حكمي يفرض وجهة نظر المجتمع. هذا الاختيار يضفي على الفيلم بعدًا نقديًا، حيث يجعل المشاهد يواجه مباشرة نظرة القسوة الجماعية التي تتحول إلى محكمة لا ترحم.
هكذا، يمكن القول إن هنري بركات لم يكتفِ بتقديم فيلم “مأخوذ عن قصة”، بل قدم نسخة مخرج تتحكم في كل عناصر العمل الفنية، من الإضاءة إلى الأداء، ومن الإيقاع إلى الصوت، لتخرج تجربة سينمائية متكاملة. وبهذا، يظل «الحرام» نموذجًا واضحًا لمدى تأثير “الديكوباج” في تحويل السيناريو إلى سينما حية تتجاوز الورق وتصل إلى القلب.
🎥طاقم عمل الفيلم
| الدور | |
|---|---|
| فاتن حمامة | عزيزة |
| عبدالله غيث | عبدالله |
| زكي رستم | الناظر |
| حسن البارودي | مسيحه الباشكاتب |
| عبدالعليم خطاب | الريس عرفه |
| كوثر العسال | أم حسن |
| حسن مصطفى | عبدالمطلب |
| عبدالسلام محمد | دميان |
| سامي سرحان | صفوت |
| عمر عفيفي | — |
| إستر شطاح | — |
| محمد إدريس | — |
| عبدالمنعم سعودي | — |
| كوثر شفيق | — |
| خيري القليوبي | — |
| أحمد أبو عبية | — |
| مصطفى رشوان | طفل |
| فادية عكاشة | — |
| كمال إمام | — |
| محسن عطية | — |
| حسين إسماعيل | — |
| خيري فرج | طفل |
| عبدالمنعم بسيوني | — |
| أنور مدكور | — |
| فيفي سعيد | — |
| مختار السيد | — |
| لطفي عبدالحميد | — |
| محمد شوقي | — |
| محمد نبيه | — |
| مطاوع عويس | — |
| طوسون معتمد | مزارع بالقرية |
| إسكندر منسي | الصرّاف |
| حسين رياض | الراوي |
| إيناس عبدالله | بنت فاتن حمامة |

.png)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)
تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي