هذا السؤال لا يُطرح من باب الإثارة أو جلد الذات، بل من واقع قراءة ومشاهدة وتجربة طويلة داخل الوسط الدرامي العربي، حيث تتكرر نفس الأخطاء، بنفس الشكل، وبنفس النتائج. الفشل هنا لا يعني أن السيناريو سيئ لغويًا أو فقيرًا فنيًا بالضرورة، بل يعني أنه يسقط دراميًا قبل أن تبدأ الكاميرا في التصوير، وقبل أن يدخل المشاهد في العالم الذي يفترض أن يصدقه.
السيناريو يفشل قبل أول مشهد عندما لا يملك سببًا حقيقيًا للوجود، عندما يُكتب لأنه "مطلوب" أو "موسم" أو "فرصة"، لا لأنه ضرورة درامية. معظم السيناريوهات العربية تبدأ من الخارج لا من الداخل، من الفكرة السطحية لا من السؤال الجوهري، من الرغبة في الإنتاج لا من حاجة الحكاية إلى أن تُروى.
أول أسباب الفشل: الفكرة الميتة منذ الولادة
كثير من السيناريوهات العربية تُبنى على أفكار مستهلكة تم استهلاكها مئات المرات: ضابط شريف في مواجهة فاسد، قصة حب مستحيلة بسبب الفوارق الاجتماعية، صعود وسقوط رجل أعمال، انتقام مؤجل من الماضي. المشكلة ليست في الفكرة نفسها، بل في التعامل معها كقالب جاهز بلا روح.
الفكرة الجيدة ليست جديدة بالضرورة، لكنها تُطرح من زاوية إنسانية صادقة. ما يحدث غالبًا أن الكاتب يبدأ من العنوان لا من الجوهر، من الملخص التسويقي لا من الصراع الحقيقي. وهنا يموت السيناريو قبل أن يُكتب المشهد الأول.
ثانيًا: غياب السؤال الدرامي
أي عمل درامي حقيقي يبدأ بسؤال واضح، حتى لو لم يُكتب على الورق. سؤال يُطارد الشخصيات، ويضغط عليها، ويقود الأحداث. أغلب السيناريوهات العربية تفتقد هذا السؤال.
تجد أحداثًا تتحرك، وشخصيات تتكلم، ومشاهد تتوالى، لكن دون بوصلة. لا يوجد سؤال مركزي مثل: هل يمكن للإنسان أن ينجو من ماضيه؟ هل العدالة ممكنة دون تضحية؟ هل الحب كافٍ لتغيير المصير؟
عندما لا يعرف الكاتب السؤال، لا يعرف المشاهد لماذا يتابع. فيسقط العمل دراميًا قبل أن يبدأ.
ثالثًا: شخصيات بلا جذور
الشخصية في السيناريو العربي غالبًا تُكتب كوظيفة، لا ككائن حي. ضابط، طبيب، رجل أعمال، فتاة فقيرة، أم مضحية. صفات عامة بلا تاريخ نفسي، بلا تناقضات حقيقية.
الشخصية الجيدة لا تُعرّف بما تعمل، بل بما تخافه، بما تخسره، بما تكذبه عن نفسها. ما نراه في كثير من السيناريوهات العربية هو شخصيات تتكلم أكثر مما تفعل، وتشرح أكثر مما تعيش.
عندما تكون الشخصية مسطحة، لا يوجد دافع حقيقي للمشهد الأول. فيبدأ السيناريو وهو فارغ من الداخل.
رابعًا: الخلط بين الحدث والدراما
كثير من الكتاب يظنون أن كثرة الأحداث تعني دراما. فيملأ السيناريو بمصادفات، مفاجآت، انتقالات زمنية، لكن دون تصاعد حقيقي.
الدراما ليست ما يحدث، بل كيف يؤثر ما يحدث على الشخصيات. الحدث بلا تأثير داخلي مجرد حركة بلا معنى. لذلك تفشل السيناريوهات التي تبدأ بانفجار أو جريمة أو صدمة دون بناء إنساني سابق.
المشهد الأول ليس مطلوبًا منه أن يُدهش فقط، بل أن يؤسس. وعندما لا يؤسس، يصبح مجرد ضجيج.
خامسًا: الحوار كبديل عن الكتابة
من أخطر أسباب الفشل أن يعتمد الكاتب على الحوار لتعويض ضعف البناء. تجد شخصيات تشرح تاريخها، دوافعها، نواياها في جُمل مباشرة.
الحوار في الدراما وظيفة، لا تقرير. عندما يبدأ السيناريو بحوار يشرح كل شيء، فهو يعلن عجزه مبكرًا. المشهد الأول الجيد يُرى أكثر مما يُسمع.
السيناريو العربي يعاني من إدمان الكلام، والخوف من الصمت، بينما الصمت أحيانًا أبلغ من صفحة حوار كاملة.
سادسًا: غياب الرؤية البصرية
السيناريو ليس قصة تُحكى فقط، بل فيلم يُرى. كثير من النصوص العربية تُكتب بعقلية الرواية أو المقال، لا بعين الكاميرا.
المشهد الأول يُكتب بالكلمات، لكنه يُصوَّر بالصورة. عندما لا يرى الكاتب المشهد، لن يراه المخرج. فيفشل السيناريو بصريًا من أول صفحة.
السيناريو الجيد يعرف أين تقف الكاميرا نفسيًا، لا تقنيًا. يعرف ماذا يرى المشاهد قبل أن يعرف ماذا يسمع.
سابعًا: الخوف من الصدق
الصدق هو أكثر ما يخيف الكتاب. الصدق مع النفس، مع المجتمع، مع الأسئلة المحرجة. لذلك نرى سيناريوهات تلتف، تُجمل، تُهادن، وتخشى الذهاب للنقطة المؤلمة.
الدراما لا تولد من المناطق الآمنة. تولد من الصراع الحقيقي، من الجرح المفتوح. وعندما يخاف الكاتب من الصدق، يكتب سيناريو مهذبًا… وميتًا.
ثامنًا: الكتابة من أجل السوق فقط
عندما يُكتب السيناريو لإرضاء السوق وحده، يفقد روحه. السوق يتغير، والذوق يتغير، لكن النص الحقيقي يبقى.
السيناريوهات التي تفشل مبكرًا هي تلك التي تسأل: ماذا يريد المنتج؟ ماذا ينجح تجاريًا؟ قبل أن تسأل: ماذا أريد أن أقول؟ ولماذا الآن؟
تاسعًا: غياب الوعي بالبناء الدرامي
كثير من النصوص تُكتب دون فهم حقيقي للبناء: بداية، تصاعد، نقطة تحول، ذروة. ليس كقواعد جامدة، بل كإيقاع داخلي.
المشهد الأول يجب أن يكون وعدًا دراميًا، إعلانًا غير مباشر عما سيأتي. عندما يبدأ السيناريو بلا وعد، لا يشعر المشاهد بالحاجة للاستمرار.
عاشرًا: التقليد بدل الرؤية
التقليد آفة. تقليد أعمال أجنبية أو عربية ناجحة دون فهم روحها. فيخرج سيناريو مشوه، لا هو أصيل ولا هو نسخة محترمة.
الكاتب الحقيقي لا يقلد، بل يتأثر ثم يترجم التأثير إلى صوته الخاص. غياب الصوت هو إعلان فشل مبكر.
🎬لماذا البداية هي كل شيء في السيناريو؟
تفشل 90٪ من السيناريوهات العربية قبل أول مشهد لأنها تبدأ من المكان الخطأ، وهذه ليست مبالغة رقمية ولا حكمًا انفعاليًا، بل نتيجة طبيعية لمسار كتابة مختل منذ اللحظة الأولى. الفشل هنا لا يتعلق بجودة اللغة، ولا بعدد الصفحات، ولا حتى بوجود حبكة ظاهرة، بل يتعلق بالأساس الذي يُبنى عليه النص. عندما يبدأ السيناريو من الشكل قبل الجوهر، ومن القالب قبل الروح، يكون قد حُكم عليه بالانهيار مهما بدا متماسكًا من الخارج.
كثير من السيناريوهات العربية تبدأ وهي تفكر في كيف ستُعرض، لا في لماذا يجب أن تُحكى. تبدأ وهي مشغولة بالإبهار، أو بالإيقاع السريع، أو بالمشهد الصادم، لكنها لا تمتلك سؤالًا داخليًا يقودها. والدراما، في جوهرها، ليست استعراضًا للأحداث، بل رحلة بحث عن معنى. وعندما يغيب هذا المعنى، تتحول المشاهد إلى وحدات منفصلة لا يجمعها سوى التسلسل الزمني.
السيناريو الذي يبدأ من الرغبة في الظهور، لا من ضرورة الحكاية، يشبه شخصًا يتكلم كثيرًا دون أن يكون لديه ما يقوله. قد يلفت الانتباه للحظة، لكنه لا يترك أثرًا. ضرورة الحكاية هي الإحساس العميق لدى الكاتب بأن هذا النص لا بد أن يُكتب، أن هناك شيئًا داخله لن يهدأ إلا إذا خرج إلى الورق. بدون هذا الإحساس، يصبح السيناريو مجرد منتج محتمل، لا عملًا فنيًا حيًا.
السيناريو لا يحتاج أن يكون مثاليًا، ولا يحتاج أن يلتزم بكل القواعد الأكاديمية الصارمة، لكنه يحتاج قبل أي شيء أن يكون صادقًا. الصدق هنا لا يعني الواقعية السطحية، بل الصدق العاطفي والفكري. أن تكون الشخصيات حقيقية في دوافعها، متناقضة كما البشر، وأن تكون الأحداث نابعة من اختياراتها لا مفروضة عليها من الخارج.
السيناريو الحي هو الذي يشعر المشاهد بأن ما يراه كان لا بد أن يحدث بهذه الطريقة، وليس لأن الكاتب أراد الوصول إلى مشهد معين. الحياة في النص تأتي من التفاصيل الصغيرة، من الصمت بقدر ما تأتي من الحوار، من الفعل بقدر ما تأتي من الكلام. وعندما يكون السيناريو مشحونًا بطاقة إنسانية حقيقية، يغفر له المشاهد عثراته التقنية، لأنه يشعر بأنه يشاهد تجربة لا تمرينًا.
أما السؤال الحقيقي، فهو قلب أي سيناريو ناجح. السؤال ليس لغزًا بوليسيًا ولا مفاجأة درامية فقط، بل سؤال وجودي يضغط على الشخصيات ويدفعها إلى الحافة. سؤال عن الخسارة، أو الذنب، أو الخوف، أو الرغبة، أو المعنى. كل مشهد يجب أن يكون محاولة للإجابة عن هذا السؤال، أو هروبًا منه، أو تعقيدًا له. بدون سؤال، لا توجد رحلة، وبدون رحلة لا توجد دراما.
المشهد الأول ليس مجرد بداية تقنية، بل هو عقد غير مكتوب بين الكاتب والمشاهد. وعد بأن ما سيأتي يستحق الوقت والانتباه. وعندما يبدأ السيناريو دون أن يعرف لماذا يبدأ، يفشل في تقديم هذا الوعد. فيشعر المشاهد، حتى لو لم يدرك ذلك وعيًا، أن ما يشاهده بلا ضرورة، بلا وزن.
ولهذا، فإن كل سيناريو لا يعرف سبب وجوده، لا يملك حق أن يبدأ أصلًا. ليس لأن الكتابة امتياز، بل لأن الدراما مسؤولية. مسؤولية تجاه الحكاية، وتجاه الشخصيات، وتجاه المشاهد. السيناريو الحقيقي لا يطلب الإذن ليبدأ، بل يفرض نفسه لأنه لا يستطيع إلا أن يبدأ.
وفي النهاية، إصلاح أزمة السيناريو العربي لا يبدأ بتغيير السوق، ولا بتقليد نماذج ناجحة، ولا حتى بتطوير التقنيات فقط، بل يبدأ من سؤال بسيط وصعب في الوقت نفسه: لماذا أكتب هذه الحكاية الآن؟ عندما يملك الكاتب إجابة صادقة عن هذا السؤال، يمكن عندها فقط أن يولد مشهد أول… يستحق أن يكون بداية.
نصيحة أخيرة لتكتب سيناريو ناجح وتتجنب الفشل
اكتب وكأن لا أحد ينتظرك، ولا أحد سيصفق لك، ولا سوق سيكافئك. اكتب لأنك لا تستطيع ألا تكتب. هذه هي النصيحة الأصدق، والأقسى، والأكثر فاعلية. السيناريو الذي يُكتب بدافع الحاجة الداخلية يعيش، أما السيناريو الذي يُكتب بدافع القبول يموت سريعًا، حتى لو تم إنتاجه.
قبل أن تكتب المشهد الأول، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا فقط: ما الذي سيتغير في هذا العالم لو لم تُحكَ هذه الحكاية؟
إذا لم تجد إجابة واضحة، لا تبدأ. لأنك إن بدأت دون ضرورة، ستستمر دون بوصلة، وستنتهي دون أثر.
لا تبدأ من الحدث، بل من الإنسان. الحدث سيأتي وحده عندما تفهم شخصيتك جيدًا. افهم خوفها قبل طموحها، جرحها قبل قوتها، وكذبتها الكبرى قبل حقيقتها. الشخصية التي تعرفها جيدًا ستقودك إلى مشاهد حقيقية دون افتعال.
لا تكتب لتُبهر، اكتب لتصدق. الإبهار لحظة، لكن الصدق ذاكرة. المشاهد لا يتذكر الانفجار بقدر ما يتذكر النظرة التي سبقته. لا تخف من البساطة، خف فقط من الزيف.
تجنب الشرح. إذا وجدت نفسك تشرح كثيرًا في الحوار، فتوقف. اسأل: لماذا لا أستطيع أن أُظهر هذا بالفعل؟ السيناريو فن رؤية لا فن تفسير. ما لا يُرى، لا يُحس.
اقبل أن أول نسخة ستكون سيئة. هذا طبيعي. الخطر الحقيقي ليس في النص الرديء، بل في النص الذي يظن صاحبه أنه مكتمل. أعد الكتابة، ثم أعدها، ثم أعدها مرة أخرى. كل إعادة كتابة هي محاولة لفهم أعمق، لا تصحيح لغوي فقط.
وأخيرًا، لا تبحث عن وصفة للنجاح. لا توجد. كل سيناريو ناجح كُسر فيه قانون ما، لكن عن وعي. تعلّم القواعد لتعرف متى تكسرها، لا لتختبئ خلفها.
السيناريو الناجح لا يُكتب ليُعجب الجميع، بل ليصيب شخصًا واحدًا في العمق. إذا أصابك أنت أولًا، فهناك فرصة حقيقية أن يصيب غيرك.



تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي