آخر المواضيع

أخطر كذبة يصدقها كتاب السيناريو الجدد


أخطر كذبة يصدقها كتّاب السيناريو الجدد

الكذبة الكبرى: الموهبة وحدها كفاية

أخطر ما يمكن أن يقع فيه كاتب سيناريو جديد هو تصديقه لفكرة رومانسية جذابة، لكنها مدمرة: أن الموهبة وحدها قادرة على فتح كل الأبواب. هذه الكذبة لا تُقال صراحة، لكنها تتسلل إلى العقول عبر الحكايات السريعة عن كتاب ظهروا فجأة، أو سيناريوهات انفجرت من أول محاولة. فيتصور الكاتب المبتدئ أن امتلاكه لحس درامي، أو خيال خصب، أو حب عميق للسينما، كافٍ ليضعه تلقائيًا في الصفوف الأولى.

الموهبة حقيقية ومهمة، لكنها ليست محركًا ذاتيًا. هي أشبه بمحرك سيارة قوي، لكنه بلا وقود ولا عجلة قيادة. كثيرون يملكون موهبة، لكن القليل فقط يعرفون كيف يستخدمونها. الكذبة هنا لا تكمن في الإيمان بالموهبة، بل في الاعتقاد بأنها بديل عن التعلّم، والتجربة، والانضباط، والاحتكاك القاسي بالواقع.

كتّاب كُثر يبدأون بحماس، يكتبون أول نص، ثم يصطدمون بالرفض أو التجاهل. هنا تبدأ الكذبة في التحول إلى خيبة: لو كانوا فاهمين موهبتي كانوا قبلوني. بدل أن يسأل الكاتب نفسه: هل النص ناضج فعلًا؟ هل الشخصيات مكتوبة بعمق؟ هل الصراع حقيقي أم مُفتعل؟ يتخذ الموهبة درعًا يقيه من النقد، فيتوقف نموه.

السيناريو ليس قصيدة تُقاس بالإحساس فقط، ولا خاطرة تُغتفر فوضاها. هو حرفة لها قواعد، حتى عندما تُكسَر هذه القواعد يجب أن يكون الكسر واعيًا. الموهبة تمنحك الشرارة، لكن النار لا تشتعل إلا بالعمل الطويل، بالمحاولات الفاشلة، وبإعادة الكتابة عشرات المرات دون ملل.

الكاتب الجديد الذي يصدق هذه الكذبة يعيش غالبًا في عزلة اختيارية. لا يقرأ سيناريوهات، لا يشاهد الأفلام بعيون تحليلية، لا يستمع للنقد بجدية. لأنه مقتنع أن "الإحساس" سيقوده وحده. ومع الوقت، تتحول الموهبة غير المصقولة إلى عبء لا إلى نعمة.

أخطر كذبة يقع فيها كتّاب السيناريو الجدد قد تدمّر موهبتهم قبل أن تبدأ

كيف تُضلل هذه الكذبة وعي الكاتب؟

خطورة هذه الكذبة لا تكمن فقط في كونها غير صحيحة، بل في قدرتها الخبيثة على إعادة تشكيل وعي الكاتب بنفسه وبالمهنة وبالعالم من حوله. حين يقتنع الكاتب الجديد أن الموهبة وحدها تكفي، يبدأ تدريجيًا في بناء صورة ذاتية هشة لكنها متعالية في الوقت نفسه: هو موهوب بالفطرة، أما الآخرين فلا يفهمونه. هذه الثنائية الخطيرة تخلق حاجزًا نفسيًا بينه وبين الصناعة، وبينه وبين الجمهور، بل وبينه وبين أي رأي لا يوافق قناعته الداخلية.

في هذه المرحلة، لا يعود الكاتب يرى نفسه متعلمًا في بداية الطريق، بل فنانًا مظلومًا لم يُكتشف بعد. كل رفض يتلقاه لا يُفسَّر على أنه ملاحظة على النص، بل كدليل إضافي على أن السوق أعمى، وأن الذوق العام منحط، وأن «الناس لا تريد الفن الحقيقي». هكذا تتحول الكذبة من فكرة بسيطة إلى منظومة دفاع كاملة، تحمي الأنا لكنها تقتل التطور.

هذا الوعي المشوّه يغير علاقة الكاتب بالكتابة نفسها. لا يعود يراها ممارسة يومية أو حرفة تحتاج إلى تدريب، بل لحظة إلهام غامضة تأتي وتذهب. ينتظر «المزاج»، يراقب حالته النفسية، ويؤجل الجلوس للكتابة حتى تأتيه الجملة الأولى كاملة ومبهرة. وإذا لم تأتِ، يفسر ذلك بأن التوقيت غير مناسب، لا بأن الانضباط غائب. ومع التكرار، يتكوّن نمط خطير: كتابة متقطعة، إنتاج ضعيف، وشعور دائم بالإحباط لأن الصورة المثالية في رأسه لا تتحقق على الورق.

الكذبة أيضًا تُنتج خلطًا مربكًا بين الصدق الفني والفوضى. يظن الكاتب أن أي نص يكتبه وهو «صادق مع نفسه» يجب أن يكون جيدًا بالضرورة. لكن الصدق وحده لا يصنع دراما. قد تكون صادقًا جدًا، لكنك ممل. قد تكون صادقًا، لكنك لا تعرف كيف تبني مشهدًا، أو كيف تزرع صراعًا حقيقيًا، أو كيف تُنهي حكاية دون افتعال. الصدق شرط إنساني مهم، لكنه ليس أداة درامية كافية.

ومع مرور الوقت، يبدأ نفور خفي من التعلم المنهجي. ورش الكتابة تُختزل في ذهنه إلى نشاط تجاري بلا روح، الكتب النظرية تُوصم بالجمود، وتحليل الأعمال يُنظر إليه كتشريح بارد يقتل المتعة. والنتيجة أن الكاتب يحرم نفسه طوعًا من أدوات كان يمكن أن تختصر عليه سنوات من التخبط والتجربة العشوائية. الكذبة هنا لا تسرق نجاحه المحتمل فقط، بل تسرق زمنه، وهو أثمن ما يملكه.

الأخطر من كل ذلك أن هذه الكذبة تُغري الكاتب بالاستعجال. يريد أن يكتب العمل الكبير الآن، أن يُعرض اسمه سريعًا، أن يُعترف به دون المرور بمراحل التكوين الطبيعية. وعندما لا يحدث ذلك، يبدأ في جلد نفسه تارة، واتهام الآخرين تارة أخرى. نادرًا ما يتوقف ليسأل: هل الفكرة التي انطلقتُ منها أصلًا صحيحة؟ هل فهمي للمهنة واقعي؟ أم أنني بنيت طموحي كله على وهم مريح لكنه مدمّر؟

أخطر كذبة يقع فيها كتّاب السيناريو الجدد قد تدمّر موهبتهم قبل أن تبدأ

ماذا تخفي الكذبة عن حقيقة المهنة؟

السيناريو، في جوهره الحقيقي، عمل جماعي حتى لو كُتب في غرفة مغلقة وبيد شخص واحد. هو لا يُكتب ليُحفظ في درج، بل ليُقرأ، ويُناقش، ويُفكك، ويُعاد تركيبه عشرات المرات. الكذبة تُخفي هذه الحقيقة الأساسية، وتُوهم الكاتب أن النص مقدّس لمجرد أنه خرج من داخله، وكأن أي ملاحظة عليه هي اعتداء شخصي لا نقاش فيه. بينما الواقع أن النص كائن حي، يتغير ويقسو ويضعف ويقوى حسب ما يُفعل به، وحسب من يلمسه، وحسب المرحلة التي يمر بها.

حين يصدق الكاتب هذه الكذبة، يتعامل مع التعديل بوصفه إهانة، لا أداة تطوير. يرى إعادة الكتابة كعقوبة، لا كجزء طبيعي من العملية الإبداعية. في حين أن المهنة، على حقيقتها، لا تكافئ الأصدق شعورًا، بل الأقدر على التحمل. والتحمل هنا ليس مجرد صبر نفسي، بل صلابة مهنية: تحمل إعادة كتابة المشهد نفسه عشر مرات، تحمل ضياع أفكار كنت تظنها عبقرية، تحمل أن يُطلب منك حذف مشهد تحبه لأنه لا يخدم الإيقاع أو القصة أو الميزانية. الموهبة لا تُعلّمك هذا النوع من التحمل، بل التجربة وحدها تفعل.

الكذبة تُخفي أيضًا حقيقة أن السيناريو ليس ساحة استعراض ذاتي، بل لغة تواصل. النص لا يهمه ما تشعر به ككاتب، بقدر ما يهمه ما يصل إلى المتلقي. قد تكون كتبت مشهدًا مؤلمًا جدًا بالنسبة لك، لكنه لا يعمل دراميًا على الشاشة. هنا تظهر الفجوة بين ما نريد قوله وما يستطيع العمل تحمله. الكاتب الذي يفهم المهنة يقبل هذه الفجوة ويتعامل معها، أما الذي يصدق الكذبة فيراها ظلمًا.

ومن أكثر ما تُخفيه الكذبة خطورة هو طبيعة العلاقة مع السوق. كثير من الكتّاب الجدد ينظرون لأي ملاحظة إنتاجية على أنها مؤامرة ضد الفن، أو محاولة لتدجين النص. لكن الحقيقة أن السيناريو يعيش في مساحة وسطى معقدة بين الفن والصناعة. تجاهل هذه الحقيقة لا يجعلك أكثر نقاءً، بل يجعلك تكتب نصوصًا لا يمكن تنفيذها، أو لا يريد أحد المخاطرة بها. السوق ليس شيطانًا مطلقًا، بل إطارًا واقعيًا يجب فهمه والتعامل معه بذكاء.

الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا، وربما لا تُقال بوضوح إلا بعد سنوات من الاحتكاك، أن معظم السيناريوهات الجيدة لا تُكتب من أول مرة. تُكتب مسودات سيئة، ثم أقل سوءًا، ثم مقبولة، ثم جيدة، ثم أفضل. هذه الرحلة ليست استثناءً، بل القاعدة. الكذبة تحرم الكاتب من فهم هذه القاعدة، لأنه يتوقع الكمال المبكر. وعندما لا يجده، يظن أنه فشل، لا أنه في المكان الطبيعي لأي كاتب حقيقي.

وهناك أيضًا وهم التفرد، أحد أخطر الأوهام التي تغذيها هذه الكذبة. يظن الكاتب الجديد أن قصته لم تُحكَ من قبل، وأن فكرته وحدها كفيلة بإبهار العالم. لكن الحقيقة القاسية والمحرِّرة في الوقت نفسه هي أن كل القصص قيلت بشكل أو بآخر. الفارق ليس في ماذا تحكي، بل في كيف تحكي. وهذا الـ كيف لا يُولد مع الموهبة، بل يُصقل بالوعي، وبالمشاهدة المتعمقة، وبالتحليل، وبالعمل الطويل الذي لا يراه أحد.

أخطر كذبة يقع فيها كتّاب السيناريو الجدد قد تدمّر موهبتهم قبل أن تبدأ

ما البديل الحقيقي لهذه الكذبة؟

البديل الحقيقي لا يبدأ بإنكار الموهبة أو التقليل من شأنها، بل بوضعها في مكانها الصحيح. الموهبة ليست وهمًا، لكنها أيضًا ليست امتيازًا مجانيًا. هي بداية الطريق، لا نهايته. شرارة صغيرة، لا حريقًا كاملًا. الكاتب الذي يفهم هذه الحقيقة يتحرر من ضغط التوقعات الوهمية التي تطارده منذ اللحظة الأولى، ويتوقف عن مطالبة نفسه بنتائج كبرى قبل أن يقطع المسافة الطبيعية للنمو. هنا فقط يبدأ في بناء نفسه بواقعية، لا بأحلام مستعجلة.

البديل الأهم هو عقلية التعلم المستمر. أن تنظر إلى كل نص تكتبه بوصفه تمرينًا، لا بيانًا نهائيًا عن موهبتك أو قيمتك. أن تفهم أن النصوص الأولى، وحتى العاشرة والعشرين، ليست لإثبات أنك كاتب، بل لتعلّم كيف تكون كاتبًا. النقد في هذه العقلية لا يُستقبل كحكم، بل كمرآة. ليس كل نقد صحيحًا، لكن كل نقد يحمل إشارة ما، والكاتب الناضج هو من يعرف كيف يلتقط هذه الإشارات دون أن ينهار أو يتصلّب.

ضمن هذا البديل أيضًا أن تتعلم من الجيد والسيئ بنفس القدر. قراءة سيناريو ناجح تُريك ما يمكن الوصول إليه، وقراءة سيناريو فاشل تُريك ما يجب تجنبه. كثير من الكتّاب الجدد يكتفون بتقديس الأعمال العظيمة، لكنهم لا يدرسون إخفاقات غيرهم. بينما الحقيقة أن الفشل مدرسة مفتوحة، ومن لا يدخلها طوعًا سيدخلها قسرًا.

البديل الواقعي يتطلب انضباطًا، لا حماسًا مؤقتًا. الكتابة ليست انتظار الإلهام، بل خلق ظروفه. ساعة واحدة يوميًا، عدد صفحات محدد، التزام ثابت حتى في الأيام التي لا تشعر فيها بأي رغبة. بل خصوصًا في هذه الأيام. هنا تُبنى المهنة الحقيقية، لا في لحظات الحماس العابر أو النوبات الإبداعية النادرة. الكاتب الذي يعتمد على الإلهام وحده سيكتب قليلًا، أما الذي يعتمد على الانضباط فسيكتب كثيرًا، ومع الكثرة يأتي التحسن.

ثم يأتي التواضع المهني، وهو عنصر لا يقل أهمية عن أي تقنية أو أداة. أن تعرف أنك في البداية، وأن هذا ليس عيبًا. أن تسمح لنفسك بأن تكون سيئًا لفترة، لأن السيئ هو الطريق الوحيد إلى الجيد. لا يوجد كاتب قفز مباشرة إلى القمة، لكن هناك كثيرون أقنعوا أنفسهم أنهم يجب أن يقفزوا، فتوقفوا تمامًا عن المشي. الكذبة تعدك بالقفز، أما الحقيقة فتقول لك: امشِ، خطوة خطوة، حتى لو بدت الخطوات بطيئة وغير مرئية.

البديل الحقيقي أيضًا هو بناء علاقة صحية مع الزمن. لا تتعامل مع الكتابة كسباق، ولا تقارن بدايتك بنهاية الآخرين. لكل كاتب إيقاعه، وظروفه، ومساره الخاص. المقارنة المستمرة تقتل المتعة، وتشوّه الرؤية، وتجعلك تتخذ قرارات متسرعة. الهدوء هنا ليس كسلًا، بل وعيًا بأن النضج لا يُستعجل.

في النهاية، أخطر كذبة يصدقها كاتب السيناريو الجديد ليست فقط لأنها غير صحيحة، بل لأنها مريحة. تعفيه من الجهد، من الشك، من المواجهة مع نفسه ومع النص. أما الحقيقة، رغم قسوتها أحيانًا، فهي الشيء الوحيد القادر على تحويل الموهبة إلى مسار واضح، والحلم إلى مهنة قابلة للاستمرار، والكاتب الهاوي إلى كاتب حقيقي يعرف ماذا يفعل ولماذا يفعله.

أهم نصيحة لكتاب السيناريو المبتدئين

وأخيرًا

إذا كان هناك شيء واحد فقط يجب أن يتشبث به كاتب السيناريو الجديد، فهو هذا: لا تجعل الكتابة اختبارًا لقيمتك الإنسانية. النص ليس أنت، وفشله لا يعني فشلك، ونجاحه لا يمنحك حصانة أبدية. تعامل مع السيناريو كمساحة للتجربة، لا كمرآة للذات. اكتب، ثم ارمِ النص في النار الباردة للنقد، وعد إليه بعد ذلك بعين أهدأ.

لا تستعجل الاعتراف، ولا تطلب التصفيق قبل أن تنتهي من بناء صوتك. ركز على أن تكون أفضل قليلًا من الأمس، لا على أن تكون عظيمًا الآن. العظمة الحقيقية في هذه المهنة لا تأتي من ضربة حظ، بل من الاستمرار الطويل، من القدرة على الوقوف بعد كل نص لم ينجح، ومن الشجاعة على المحاولة مرة أخرى.

وأهم نصيحة: استمتع بالطريق، حتى وهو صعب. لأن الكاتب الذي لا يحتمل الرحلة، لن يحتمل الوصول.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

إعلان Google AdSense

أخبار تقنية

إعلان Google AdSense

فيديو