آخر المواضيع

دراما أسامة أنور عكاشة بين الخطاب الأيديولوجي وتمثيل الواقع

قراءة نقدية معمّقة في تجربة أسامة أنور عكاشة، تناقش خطابه الأيديولوجي في الدراما المصرية، وصورته للصعود الاجتماعي والثراء للكاتب محمد عبدالرحمن حسن

بقلم : محمد عبدالرحمن

يُعد أسامة أنور عكاشة أحد أكثر كتاب الدراما التلفزيونية المصرية تأثيرًا وانتشارًا، غير أن هذا الحضور الكاسح لا يعني بالضرورة اتفاقًا نقديًا حول طبيعة مشروعه الفني أو نتائجه الثقافية. فبعيدًا عن الهالة التي أحاطت باسمه، يمكن النظر إلى أعماله بوصفها تأسيسًا لنمط درامي ذي خطاب أيديولوجي واضح، اتكأ على خطاب شعبوي أخلاقي، وأسهم – عن قصد أو غير قصد – في ترسيخ تصورات إشكالية عن العمل، والنجاح، والصعود الاجتماعي.

لا تكمن الإشكالية في امتلاك الكاتب موقفًا أو رأيًا؛ فالفن بطبيعته منحاز، والكاتب ليس مطالبًا بالحياد. لكن المأزق الحقيقي يتمثل في أن عكاشة حظي بمنصة شبه مطلقة عبر التلفزيون المصري، ما أتاح لأفكاره أن تتحول من رؤية فنية إلى وعي عام. ومن هنا، رُوّجت واحدة من أكثر السرديات شيوعًا في الدراما المصرية: أن الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس أنور السادات هو السبب الجذري في تدهور المجتمع المصري، وأن الثروة لا تأتي إلا عبر الفساد أو الخيانة الطبقية.

انعكست هذه الرؤية بوضوح في بناء الشخصيات. فالأثرياء في عالم عكاشة غالبًا ما يُقدمون باعتبارهم لصوصًا أو انتهازيين، بينما يُمنح الفقر في حد ذاته قيمة أخلاقية، بغض النظر عن أسبابه أو نتائجه. ونادرًا ما نجد في أعماله نموذجًا لإنسان عادي يصعد اجتماعيًا عبر العمل والاجتهاد دون أن يُدان أخلاقيًا. ولعل الاستثناء الأبرز في الدراما المصرية كان مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» للكاتب مصطفى محرم، الذي قدّم سردية مغايرة لمسألة الصعود الاجتماعي.

ورغم أن ممثلين كبارًا، مثل نور الشريف، شاركوا في ترسيخ هذه الرؤية، فإن أداءهم كان غالبًا يتجاوز النص، مستندًا إلى وعي فني وقدرة على الموازنة بين الفكرة والأداء. غير أن ذلك لا يُنكر أن النصوص نفسها كانت محمّلة بخطاب يعيد إنتاج أفكار أيديولوجية متقادمة، ويمنحها شرعية أخلاقية.

أسهمت دراما عكاشة في تكريس تصور يرى في البطالة حالة نضالية، وفي الانشغال الدائم بتفسير المؤامرات الكبرى بديلًا عن الفعل والعمل. كما أضفت شرعية على التدخل في شؤون الآخرين، وقدّمت ما يمكن تسميته بـ الإرهاب الأخلاقي، حيث يُنصّب الفرد نفسه قاضيًا على جاره ومجتمعه، بينما يعجز عن إدارة شؤونه الخاصة.

تتجلى هذه الإشكالية في نماذج درامية شهيرة. فشخصية «سليم البدري» في «ليالي الحلمية» تُقدَّم باعتبارها نموذجًا سلبيًا لرجل يفكر ويبني كيانًا اقتصاديًا، بينما يُحتفى بشخصية «سليمان غانم» رغم جهلها وتبديدها للثروة. وفي «الراية البيضاء»، تُصوَّر «فضة المعداوي» – المرأة التي صعدت من القاع وبنت مشروعًا تجاريًا – كمسخ ثقافي وأخلاقي، في مقابل تمجيد نموذج أرستقراطي عاجز عن الفعل، لكنه يحتفظ بـ نقاء طبقي متخيل.

هذا التمييز لا يخلو من نزعة إقصائية، تُدين الصعود الاجتماعي وتُقدّس الانتماء الطبقي القديم، وكأن النجاح الاقتصادي خطيئة، والطموح الاجتماعي خروج عن الفضيلة. وهو منطق أسهم في ترسيخ صورة نمطية لرجل الأعمال بوصفه بالضرورة فاسدًا، لا نتاج جهد أو مغامرة.

أما فنيًا، فرغم النجاح الجماهيري، فإن تجربة عكاشة السينمائية تكشف عن محدودية أدواته خارج التلفزيون. وربما يعود كثير من بريق أعماله إلى عناصر موازية: موسيقى عمار الشريعي، أشعار سيد حجاب، وأداء ممثلين كبار حملوا الخطاب الثقيل للنصوص ومنحوه حياة درامية.

في المحصلة، يمكن القول إن دراما أسامة أنور عكاشة أسهمت في صناعة حنين جماعي إلى ماضٍ مُتخيَّل، وفي بثّ خوف مزمن من المستقبل، مستقبل كان يمكن بناؤه بالعمل والعرق لا بالاكتفاء بالخطابة والنوستالجيا. وهو طرح يستحق المراجعة النقدية، لا بدافع الهدم، بل من أجل إعادة التفكير في علاقة الدراما بالوعي الاجتماعي ومسؤوليتها تجاه الحاضر والمستقبل.

دراما أسامة أنور عكاشة بين الخطاب الأيديولوجي وتمثيل الواقع

الأيديولوجيا الكامنة خلف الدراما

لا يمكن التعامل مع تجربة أسامة أنور عكاشة بوصفها مجرد منجز درامي ناجح جماهيريًا، ولا يجوز في الوقت ذاته اختزالها في خطاب عدائي أو حكم انفعالي. إننا أمام كاتب امتلك قدرة نادرة على التأثير في الوعي الجمعي، لكن هذه القدرة نفسها تفرض مسؤولية مضاعفة عند تقييم مشروعه الفكري والفني. فقد استطاع عكاشة أن يصوغ دراما ممتدة، مليئة بالشخصيات والشعارات، إلا أن الإشكال الجوهري يكمن في طبيعة الرسائل التي كرّسها، والأنساق القيمية التي أعاد إنتاجها عبر عشرات الأعمال.

لقد تبنّى عكاشة، بوعي أو بدونه، رؤية أيديولوجية تُجرِّم الصعود الاجتماعي، وتُدين النجاح الاقتصادي، وتُضفي قداسة أخلاقية على الفشل أو العجز، طالما ارتديا ثوب «النقاء» الطبقي أو الخطابي. وفي هذا السياق، تحوّل الفقر من كونه مشكلة اجتماعية تستدعي الحل، إلى فضيلة أخلاقية يُشاد بها، بينما جرى تصوير الثروة باعتبارها قرينة الفساد والخيانة. هذا المنطق لم يكن مجرد اختيار درامي، بل أسهم في تشكيل وعي اجتماعي واسع، يرى في الطموح شبهة، وفي المبادرة الفردية خروجًا عن الجماعة.

كما أن دراما عكاشة كرّست خطابًا أخلاقيًا وصائيًا، يجعل من الشخصيات – ومن خلفها المشاهد – قضاة على الآخرين، دون مساءلة الذات أو مساءلة بنية الفشل ذاتها. وهنا يتبدّى خطر هذا النوع من الدراما؛ إذ لا يكتفي بعكس الواقع، بل يعيد إنتاجه في صورته الأكثر ركودًا، ويمنح الجمود شرعية أخلاقية، ويحوّل النقد الاجتماعي إلى خطاب إدانة دائم بلا أفق للتغيير.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن عكاشة امتلك حسًا دراميًا وقدرة على رسم شخصيات قابلة للحياة، وأن أعماله استفادت من تضافر عناصر فنية كبرى، من موسيقى وشعر وأداء تمثيلي رفيع. غير أن هذا التفوق الجماعي كثيرًا ما أخفى هشاشة الرؤية الفكرية للنصوص ذاتها، وجعل الخطاب الأيديولوجي يبدو أعمق مما هو عليه في الحقيقة.

إن إعادة قراءة تجربة أسامة أنور عكاشة اليوم ليست فعل تصفية حساب، بل ضرورة ثقافية. فهي تتيح لنا أن نفهم كيف يمكن للدراما أن تتحول من أداة وعي إلى أداة تطبيع مع الفشل، ومن مساحة نقد إلى خطاب يبرر العجز. وربما تكمن القيمة الحقيقية لهذه المراجعة في أنها تذكّرنا بأن الفن، مهما بلغ انتشاره، يظل مسؤولًا عن الأسئلة التي يطرحها، لا عن التصفيق الذي يحصده.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

إعلان Google AdSense

أخبار تقنية

إعلان Google AdSense

فيديو