🧥المعطف قصة قصيرة كتبها الروائي الروسي الكبير نيقولاى غوغول، ونُشرت عام 1842، وتحكي حكاية رجل بسيط يدعى أكاكي أكاكيفتش. قصة إنسانية خالدة قال عنها تورغينيف يومًا: «كلنا خرجنا من معطف غوغول».
كتبه : ممدوح السباعي - الشمس اليوم
كان أكاكي إنسانًا ساذجًا، فقيرًا إلى حد العدم، لا يملك من متاع الدنيا شيئًا، بل لم يكن يطمح في امتلاك أي شيء أصلًا. كان ينظر إلى الأشياء وكأنها غير موجودة، لأنها ببساطة ليست له. عاش وحيدًا في غرفة مستأجرة ضيقة ومعتمة، يأكل وحده طعامًا شحيحًا بالكاد يسد رمقه. لم يكن يملك سوى بدلة واحدة صارت قديمة مهلهلة، ومع ذلك لم يتذمر يومًا، ولم يشكُ لأحد، ولم يطلب شيئًا من الآخرين. فالأيام عنده كانت تتشابه حتى تفقد معناها.
غير أن لهذا الرجل حلمًا واحدًا، حلمًا صغيرًا لكنه بدا له عظيمًا: شراء معطف جديد. فمعطفه القديم خرج من الخدمة تمامًا، لا يصلح لإصلاح ولا لترقيع، وأصبح ارتداءه ضربًا من العبث. كان يحلم بمعطف جديد، حلمًا يرافقه في يقظته ومنامه.
ذهب إلى الخياط، لكن السؤال القاسي كان ينتظره: من أين يأتي بالمال؟ راتبه بالكاد يكفي للطعام والشراب. فكر طويلًا، ولم يجد حلًا سوى التقشف القاسي لمدة عام كامل ليدخر ثمن المعطف. تخيّل أنه امتنع عن شرب الشاي قبل النوم، تلك المتعة الوحيدة في حياته. توقف عن إشعال قنديل المصباح ليلًا توفيرًا لثمن الزيت، بل وصل به الأمر إلى إلغاء وجبة العشاء. كان يمشي إلى عمله على أطراف أصابعه حفاظًا على حذائه، حتى لا يضطر إلى شراء حذاء جديد، وكل ذلك من أجل المعطف.
خلال تلك السنة، تحول المعطف إلى غاية وهدف، فكرة لا تغادر رأسه، يراه في أحلامه، ويزوره كل أسبوع عند الخياط ليطمئن عليه. مر العام، وانتهى التقشف، وجاء يوم الاستلام. وحين ارتدى المعطف الجديد، كاد قلبه يتوقف من شدة الفرح. خرج إلى الشارع وهو يكاد يطير، يشعر بثقل المعطف على كتفيه كأنه يحمل وجوده كله. لأول مرة، ضحك من أعماقه.
في اليوم التالي، ذهب إلى العمل، فتفاجأ زملاؤه بالمعطف الجديد، ونظروا إليه بدهشة لم يعرفها من قبل. ولأول مرة في حياته، دعاه أحدهم إلى عيد ميلاد. ذهب إلى الحفلة، وشعر أنه لا يزال حيًا، وأن لوجوده قيمة، لكن الفرحة لم تدم سوى يوم واحد.
في طريق عودته، هاجمه بعض اللصوص، ضربوه ضربًا مبرحًا، وسرقوا المعطف. صرخ بيأس، لكن أحدًا لم يساعده. تُرك ملقى على الأرض، يرتجف من شدة البرد، ومن القهر، والضعف، والحزن. جمع ما تبقى له من قوى، وتوجه إلى إحدى دوائر التحقيق طلبًا للنجدة، علّهم يعيدون له معطفه أو يكشفون عن المجرمين. لكن المحقق نظر إليه بلا مبالاة، وقال إنه لن يضيع وقته في مسألة تافهة كسرقة معطف.
عاد الرجل إلى الشارع مرة أخرى، لكن هذه المرة هاجمه البرد القارس. تسلل الصقيع إلى عظامه، حطم جسده من الداخل، فعاد إلى غرفته محمولًا بالقهر والبرد. بعد يومين، كان يهذي بكلمة واحدة: المعطف. كان يراه في كل مكان، حتى فارق الحياة.
ومع كل شتاء، قيل إن روح صاحب المعطف البائسة كانت تجوب شوارع سان بطرسبرغ، تنتقم من كل إنسان يمتلك معطفًا، كأنها تبحث عن دفءٍ سُرق منها إلى الأبد.
🕯️نقد وتحليل لقصة المعطف: مأساة الإنسان العادي بين الفقر والقسوة الاجتماعية
تُعد قصة «المعطف» لنيقولاي غوغول واحدة من أكثر النصوص تأثيرًا في تاريخ الأدب العالمي، ليس فقط لأنها تحكي حكاية إنسان بسيط مسحوق، بل لأنها تكشف، بعمق مؤلم وهدوء قاسٍ، آليات القهر الاجتماعي والبيروقراطي التي تحطم الإنسان دون ضجيج. إنها قصة عن الهامش، عن الفرد الذي لا يُرى، ولا يُسمع، ولا يُحسب وجوده إلا عندما يتحول إلى شبح.
أكاكي أكاكيفتش ليس بطلاً بالمعنى التقليدي، ولا يحمل أي صفات استثنائية. هو موظف صغير، محدود الطموح، محدود الوعي، يعيش حياة رتيبة بلا صراع ظاهري. عبقرية غوغول تكمن في اختياره هذا النموذج تحديدًا، لأن المأساة هنا لا تنبع من حدث كبير أو خطأ فادح، بل من العادي، من اليومي، من نظام كامل مصمم لسحق أمثال أكاكي دون أن يلاحظ أحد.
المعطف في القصة ليس مجرد قطعة ملابس، بل رمز مركزي بالغ الدلالة. إنه رمز للدفء، والأمان، والكرامة، والاعتراف الاجتماعي. قبل المعطف، كان أكاكي شبه غير موجود، وبعد المعطف، بدأ يُرى. نظرات الزملاء، الدعوة إلى الحفل، الإحساس المفاجئ بالقيمة، كلها لم تأتِ بسبب تغيّر داخلي في الشخصية، بل بسبب امتلاكه لشيء مادي. وكأن المجتمع لا يعترف بالإنسان إلا عبر ما يملكه، لا بما هو عليه.
رحلة التقشف القاسية التي يخوضها أكاكي من أجل شراء المعطف تكشف مأساة أعمق: هشاشة حياة الفقراء، حيث يتحول أبسط الاحتياجات إلى مشروع وجودي طويل الأمد. الامتناع عن الشاي، عن الضوء، عن الطعام، والمشي على أطراف الأصابع… كلها تفاصيل صغيرة لكنها شديدة القسوة، تُظهر كيف يُجبر الإنسان الفقير على استنزاف جسده وروحه ليحصل على الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
اللحظة التي يرتدي فيها المعطف تمثل ذروة القصة إنسانيًا، لأنها لحظة الفرح النقي الوحيد في حياة أكاكي. الفرح هنا ليس مبالغًا فيه، بل طفولي، هش، وقابل للكسر. وهذا ما يحدث بالفعل. فغوغول لا يمنح بطله فرصة للتمتع طويلًا بما حصل عليه، لأن العالم الذي سحقه قبل المعطف لن يرحمه بعده.
حادثة سرقة المعطف تمثل ذروة القسوة الرمزية. فالمعطف يُسلب بالقوة، كما سُلبت حياة أكاكي كلها بهدوء من قبل. والضرب هنا ليس جسديًا فقط، بل وجودي؛ إذ يُجرد مرة أخرى من كل ما منحه شعورًا بالقيمة. الأكثر فظاعة هو صمت المجتمع: المارة الذين لم يساعدوه، والسلطة التي سخرت من شكواه. هنا تتجلى رؤية غوغول النقدية للنظام البيروقراطي، الذي لا يرى الإنسان إلا كرقم، ولا يتحرك إلا لما يعتبره “قضايا مهمة”، بينما تُترك المآسي الحقيقية دون اكتراث.
تحول البرد إلى “مهاجم” في نهاية القصة ليس مجرد وصف جوي، بل تجسيد للعداء الكوني تجاه أكاكي. البرد يصبح قوة قاتلة، كأن الطبيعة نفسها تتآمر مع المجتمع على سحق هذا الكائن الضعيف. موته وهو يهذي بكلمة “المعطف” يؤكد أن هذا الشيء لم يكن مجرد حلم، بل كان آخر خيط يربطه بالحياة.
التحول الفانتازي في النهاية، بعودة روح أكاكي لتنتقم، لا يُقرأ كحكاية رعب، بل كعدالة شعرية متأخرة. الشبح لا ينتقم من الجناة الحقيقيين فقط، بل من كل من يمتلك معطفًا، أي من عالم كامل لم يشعر يومًا ببرد الفقراء. إنها صرخة ما بعد الموت، احتجاج أخير من إنسان لم يُسمح له بالاحتجاج وهو حي.
رأيي العام أن «المعطف» ليست قصة عن الفقر فقط، بل عن الإذلال الصامت، عن كيف يمكن للمجتمع أن يقتل إنسانًا دون أن يرفع سكينًا. إنها نص بسيط في شكله، عميق في أثره، ومخيف في صدقه. وربما لهذا قال تورغينيف عبارته الشهيرة، لأن كل أدب حاول أن ينحاز للمهمشين بعد غوغول، كان عليه أن يمر أولًا من هذا المعطف.


تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي