آخر المواضيع

رسالة كافكا إلى أبيه | اعتراف أدبي صادم عن الخوف والتربية والسلطة الأبوية

رسالة كافكا إلى أبيه | اعتراف أدبي صادم عن الخوف والتربية والسلطة الأبوية

كتب : أ/ خيري المستكاوي

تنطلق شخصية الأبناء، في أغلب الأحيان، من داخل البيوت؛ من الدروس الأولى غير المعلنة، ومن الإيماءات والتصرفات المقصودة وغير المقصودة التي يمارسها الآباء يوميًا دون وعي كامل بتأثيرها. فالأبناء لا يتعلمون فقط عبر التوجيه المباشر، بل عبر المراقبة والتقليد، وسيحملون هذه الأنماط معهم مستقبلًا، إما بصورة تكرارية حرفية، أو في أشكال مختلفة، بينما يظل الجوهر واحدًا.
فالإنسان، في نهاية الأمر، ابن التربية، وابن البيت، وابن أبويه بيولوجيًا ونفسيًا، يحمل في داخله ملامح عشرات، بل مئات وآلاف الأجداد المتراكمين عبر السلالة.

لهذا تُعد رسالة كافكا إلى أبيه واحدة من أهم وأصدق الرسائل التربوية والنفسية التي كتبها أدبيٌّ في القرن العشرين، إن لم تكن الأهم على الإطلاق. فهي صادرة عن فرانز كافكا، أحد أبرز الروائيين في تاريخ الأدب العالمي، وصاحب أعمال خالدة مثل: المسخ، المحاكمة، في مستوطنة العقاب، وأمريكا، وهي أعمال لم تتوقف عن إثارة القرّاء والنقّاد حتى يومنا هذا.

وقد ارتبط اسم كافكا بمصطلحات أصبحت شائعة في الثقافة الحديثة مثل: «السوداوية الكافكاوية»، و«الأدب الكافكاوي»، وعبارة «كأنك تقرأ رواية لكافكا»، للدلالة على العوالم القاتمة، والاغتراب، والصراع مع السلطة، وهي ثيمات تتجلى بوضوح في هذه الرسالة الاستثنائية.

ورغم أن الرسالة موجهة ظاهريًا إلى الأب، إلا أن كافكا لا يخاطب والده وحده، بل يوجّه حديثه إلى معظم الآباء في العالم، دون استثناء. فهو يبدأ رسالته بلهجة مترددة، قائلاً:
«أبدأ هذه الرسالة إذن دون ثقة بالنفس، آملاً فقط أنك أيها الوالد ما زلت تحبني رغم كل شيء، وأنك تقرأ بصورة أفضل مما أكتب».

منذ السطور الأولى، يشرع كافكا في تفكيك الصراع غير المباشر بينه وبين أبيه: أب متسلط يرى في تقزيم ابنه نوعًا من القوة، بل يكاد يستمد سلطته من ضعف الابن، وابن هشّ نفسيًا يحاول، بلا جدوى، إثبات ذاته وخصوصيته ككائن مستقل.
وهنا تحديدًا تكمن متعة قراءة هذه الرسالة الطويلة، إذ لا تتردد في التوغل في أدق التفاصيل، حتى تلك المحرجة والمؤلمة، في علاقة شديدة الحساسية بين أب وابنه داخل أسرة ألمانية محافظة.

الخوف

يفتتح كافكا رسالته بالحديث عن الخوف، ذلك الشعور المركزي الذي هيمن على علاقته بوالده. فيقول:
الوالد الأعز، سألتني مرة، مؤخرًا، لماذا أدعي أنني أخاف منك. ولم أعرف كالعادة أن أجيبك بشيء، من طرف بسبب هذا الخوف نفسه الذي أستشعره أمامك، ومن طرف آخر لأن تعليل هذا الخوف يتطلب تفاصيل أكثر مما أستطيع أن أجمعه في الكلام».

يعترف كافكا بأن الخوف لم يكن شعورًا عابرًا، بل حالة متجذرة أعاقته حتى عن التعبير والشرح، سواء شفهيًا أو كتابيًا، لأن حجم التجربة يفوق قدرته على التذكر والتحليل. بينما، على الجانب الآخر، كان الأب يرى المسألة في غاية البساطة، ويتحدث عنها أمام الابن وأمام الآخرين بلا اكتراث لتأثير ذلك عليه.

حادثة الشرفة

يسرد كافكا في رسالته واحدة من أكثر الوقائع قسوة، والتي تعود إلى سنواته الأولى في الطفولة. يقول إنه كان يبكي ذات ليلة طالبًا جرعة ماء، ليس بدافع العطش الحقيقي، وإنما ربما بدافع إثارة الانتباه أو اللعب الطفولي. لكن رد الفعل جاء صادمًا؛ إذ أخذه والده من سريره، وحمله إلى الشرفة، وتركه هناك وحيدًا أمام الباب المغلق، مرتديًا قميصه الداخلي فقط.

لا يحاول كافكا اتهام والده صراحة، بل يقول إنه لا يريد الجزم بأن ما حدث كان خطأ، وربما لم تكن هناك وسيلة أخرى لإعادة الهدوء إلى الليل. إلا أن الأثر النفسي كان بالغًا؛ فقد أصبح مطيعًا بالفعل، لكن بثمن داخلي فادح.
فهو، بطبيعته الطفولية، لم يستطع الربط بين توسله البسيط للحصول على الماء، وبين هذا العقاب القاسي الذي مارسه «الرجل العملاق»، صاحب السلطة العليا، والذي جاء بلا سبب مفهوم، وحمله من فراشه ليضعه في العراء، وكأنه لا شيء.

تناقض القدوة

يلفت كافكا الانتباه إلى مسألة تربوية في غاية الخطورة: الوصايا التي يفرضها الأب على ابنه، بينما يخالفها هو بنفسه أمامه.
يروي كافكا أن عليهم، كأبناء، أن يحترسوا من سقوط الطعام على الأرض، وأن يلتزموا بالانشغال بالأكل فقط أثناء المائدة، في حين كان الأب نفسه يترك بقايا الطعام، ويقص أظافره، ويبري أقلام الرصاص، وينظف أذنيه بنكاشة الأسنان أثناء الأكل.

قد تبدو هذه التفاصيل تافهة في ظاهرها، لكنها اكتسبت ثقلها النفسي لأنها صادرة عن الشخص الذي يُفترض أنه القدوة. فالأب، في نظر الطفل، ليس مجرد شخص، بل نموذج أخلاقي وسلوكي، وعندما لا يلتزم بما يفرضه، تتزعزع القيم من أساسها.

مرحلة زواج الابن

يصل كافكا في رسالته إلى واحدة من أكثر المراحل حساسية في العلاقة بين الأب والابن: مرحلة الزواج. وهي المرحلة التي يفترض أن تشهد استقلال الابن وتأكيد نضجه، لكنها عند كافكا تتحول إلى ساحة جديدة للصراع.
يقول: أنا أبلغ السادسة والثلاثين، وما زال من الممكن إلحاق الضرر بي، في إشارة واضحة إلى أن سلطة الأب لم تتوقف عند الطفولة، بل امتدت لتطال قراراته المصيرية حتى في هذا العمر المتقدم نسبيًا.

رسالة كافكا إلى أبيه | اعتراف أدبي صادم عن الخوف والتربية والسلطة الأبوية

الزواج كـ منطقة محرمة

يكتب كافكا في واحدة من أكثر فقرات الرسالة قسوة ومرارة:
قلما أهنتني بكلمات أشد إهانة، ولم يظهر احتقارك لي أوضح مما ظهر عندما تحدثت إلي بذلك الأسلوب قبل عشرين عامًا.
فالفتى الذي حاول آنذاك أن يتشبث بحلم ما، لم يبدُ في نظر الأب اليوم أكثر خبرة أو نضجًا، بل مجرد كائن أشد بؤسا بعد عشرين عامًا من القهر، وكأن الزمن لم يمنحه إلا مزيدًا من الانكسار. وحتى اختياره لفتاة للزواج لم يكن يعني للأب شيئًا يُذكر، لا من حيث الاحترام ولا من حيث الاعتراف.

يرى كافكا أن والده، وبلا وعي، كان يقمع باستمرار قدرته على اتخاذ القرار، ثم يعود اليوم، وبلا وعي أيضًا، ليحاكمه على غياب هذه القدرة نفسها. ومن محاولاته لإنقاذ ذاته عبر مسارات أخرى لم يكن الأب يعلم شيئًا، وبالتالي لم يكن في مقدوره أن يفهم تسلسل الأفكار الداخلية التي قادته إلى محاولة الزواج.
لكن الأب، وفقًا لحكمه المسبق، اختار أن يحدس أسوأ الاحتمالات، وأكثرها فظاعة وسخرية.

ويشير كافكا إلى أن والده لم يتردد في تذكيره بمحاولاته الفاشلة للزواج، خاصة فسخ خطوبته مع (ف) ثم إعادة عقدها مرتين، وجرّه هو ووالدته إلى برلين بلا جدوى من أجل الخطوبة.
غير أن كافكا يؤكد أن الفكرة الأساسية لكلتا المحاولتين كانت صحيحة تمامًا: تأسيس بيت زوجي، والاستقلال بالذات. وهي فكرة، في ظاهرها، محببة إلى الأب، لكنها في الواقع كانت تُمارس بطريقة ملتبسة، تشبه لعبة الأطفال حين يمسك أحدهم يد الآخر بقوة ويقول له ساخرًا: “اذهب، لماذا لا تذهب؟”.

الفرق الجوهري في حالة كافكا أن الأب كان يعني كلمة “اذهب” بصدق، لكنه في الوقت نفسه كان يمسك به بقسوة، أو بالأحرى يقمعه، لا عن وعي أو قصد مباشر، بل بحكم طبيعته السلطوية.
وهكذا ظلت أبواب الزواج موصدة أمام كافكا، لأن الزواج – كما يراه – كان المجال الخاص بالأب، المساحة التي لا يُسمح للابن بدخولها.

ويبلغ التصوير ذروته حين يتخيل كافكا خريطة العالم مفتوحة، بينما يتمدد الأب فوقها بالعرض، فلا يتبقى لحياته سوى مناطق هامشية ضيقة لا تقع تحت هذا الامتداد. وبالطبع، وفقًا لتصوره عن “حجم” الأب، لم تكن هذه المناطق كثيرة، ولا تمنح عزاءً حقيقيًا. والزواج، على وجه الخصوص، لم يكن يومًا واحدًا من هذه المناطق المتاحة.

الكتابة كفعل نجاة

لا يتردد كافكا في تحميل والده مسؤولية بؤسه كله، بل ويرى فيه الدافع الخفي وراء كتابته ذاتها. يقول بوضوح:
«أنت خلف كل كتاباتي، لقد قلت فيها ما لا أستطيع أن أقوله وأنا على صدرك».

ومن المفارقة أن هذه الرسالة، التي كُتبت أساسًا بوصفها اعترافًا شخصيًا موجعًا، تحولت لاحقًا إلى نص عالمي، أذيع في أنحاء العالم، وكتبت عنه عشرات الآلاف من رسائل الدكتوراه والدراسات النقدية والنفسية، واقتبس بعض مقاطعها كبار الباحثين في مجال تربية الطفل والعلاقات الأبوية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف رأى الأب كل ذلك؟ وما رده؟

رد الأب: دفاع أم هجوم مضاد؟

نقتطف من رد والد كافكا، هرمان كافكا، مقاطع لا تقل أهمية عن فحوى الرسالة نفسها. يقول:
«إنك تدّعي أنني لا أبذل جهدًا عندما أفسر علاقتي بك من خلال ذنبك وحده، لكنني أظن أنك، رغم الجهد الظاهري، لا تجعل الموضوع أكثر صعوبة لك، وإنما أكثر ربحًا».

يرى الأب أن الابن يرفض، هو الآخر، أي ذنب أو مسؤولية تقع عليه، وأن طريقة كلٍّ منهما واحدة في التهرب من الاعتراف. غير أن الفرق – من وجهة نظره – أن كافكا يريد أن يظهر فائق الذكاء وفائق الحنو في الوقت نفسه، فيبرئ نفسه ظاهريًا، ويحاول أيضًا – ظاهريًا – تبرئة الأب، دون أن يكون صادقًا في ذلك.

ومن بين السطور، يتضح للأب أنه هو الذي كان، في الحقيقة، الشخص المهاجم، بينما لم يكن ما يفعله الابن سوى دفاع عن النفس.
ويذهب هرمان كافكا إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن الابن نجح، عبر ما يسميه “عدم الإخلاص”، في إثبات ثلاثة أمور:
أولًا: أنه بريء.
ثانيًا: أن الأب مذنب.
وثالثًا: أنه – بدافع ما يسميه العظمة – مستعد لأن “يعذر” والده، أو على الأقل أن يقنع نفسه بأن الأب بريء، خلافًا للحقيقة.

صراع الفرسان وصراع الحشرات

يقدم الأب تشبيهًا بالغ القسوة حين يقول إن الصراع بينه وبين ابنه ليس واحدًا، بل نوعان:
صراع الفرسان، حيث تتبارى قوى خصوم مستقلين، يخسر كلٌّ منهم لنفسه، وينتصر لنفسه.
وصراع الحشرة، تلك التي لا تلدغ فقط، بل تمتص الدم فورًا دفاعًا عن حياتها، وهذا – بحسب الأب – هو الجندي المحترف الحقيقي، وهو ما يراه في ابنه الذي يصفه بأنه غير عملي في الحياة.

ويتهم الأب ابنه بأنه، لكي يتكيف مع الحياة دون لوم الذات، يتوهم أن الأب قد أخذ منه كفاءته ووضعها في جيبه، ثم يتركه يتمطى بهدوء بينما يجره جسديًا وروحيًا عبر الحياة.

ويضرب مثالًا بمحاولة الزواج الأخيرة، معتبرًا أن الابن – كما يعترف في الرسالة – لم يكن يريد الزواج فعلًا، بل كان يريد من أبيه أن يمنعه، حتى لا يرهق نفسه باتخاذ القرار.
ويؤكد هرمان كافكا أنه لم يخطر بباله قط أن يكون عائقًا أمام سعادة ابنه، ولا يريد أن يسمع مثل هذا اللوم من ابنه، ويرى أن كل ما في الرسالة لا يثبت إلا صحة مآخذه القديمة، وعلى رأسها: عدم الصدق، والتزلّف، والتطفل، بل ويذهب إلى حد القول إن هذه الرسالة نفسها ليست سوى شكل آخر من أشكال “التطفل”.

هامش فرانز كافكا، الآثار الكاملة، المجلد السادس/ الرسائل الجزء الأول: رسالة إلى الوالد، ترجمها عن الألمانية: إبراهيم وطفي، طرطوس – سورية، الطبعة الأولى 1995م. عبدالباقي يوسف

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

إعلان Google AdSense

أخبار تقنية

إعلان Google AdSense

فيديو