آخر المواضيع

نجع الغريب: حين يُفتح الباب الذي لا يجب أن يُفتح

قصة نجع الغريب - قصة قصيرة

نجع الغريب: العهد الذي لا يُكسر

بقلم : أحمد عصام أبوقايد

نجع الغريب، إحدى قرى صعيد مصر، كان الوصول إليه أشبه بالسير فوق خيط واهن يصل عالم الأحياء بعالم آخر سقط عمدًا من ذاكرة الزمن.

كان الطريق الضيق المتعرج يوحي بأن من يسلكه لا ينتقل من مكان إلى آخر فحسب، بل يعبر حدًا غير مرئي بين واقع مألوف ومجهول غامض.
عمر، الشاب الذي لم يتجاوز عقده الثاني، اعتادت عيناه أضواء القاهرة الساطعة وضجيجها الذي لا يهدأ، وجد نفسه فجأة محاصرًا بصمت ثقيل، صمت له كتلة وضغط، يطبق على صدره كلما تعمق بسيارته وسط صفوف النخيل اليابسة التي اصطفت على جانبي الطريق، كأنها حرّاس مقابر عتيقة تؤدي واجبها الأخير.

لم يكن عمر من المؤمنين بالخرافات؛ لطالما اعتبر حكايات الجدات عن النداهة والرصد مجرد أساطير تُروى لإخافة الصغار ودفعهم إلى النوم باكرًا.

لكن
ما إن لاحَت مآذن النجع القديمة في الأفق، حتى شعر بوخز مباغت أسفل جمجمته، إحساس بدائي غريزي، كأن آلاف العيون تتابعه من خلف نوافذ مكسورة وبيوت طينية أكلها السوس ونخر جدرانها.

توقفت السيارة أمام بيت جده، منصور الحسيني.
كان البيت كتلة ضخمة من الحجر الجيري القديم، يتكون من ثلاثة طوابق، لكنه بدا كأنه يهبط إلى باطن الأرض، إما بفعل تراكم التربة من حوله، أو تحت وطأة أسرار ثقيلة ظلت حبيسة جدرانه لسنوات طويلة.
الجدران مكسوة بعفن أخضر داكن، والباب الخشبي العريض كان مغلقًا بسلاسل صدئة التفّت حولها قطع من قماش أخضر مهترئ، كأنها تعويذة بائسة أُعدّت لمنع شيءٍ ما… من الخروج، أو ربما من الدخول.

أخرج عمر خريطة قديمة بالية تُحدد موضع البيت، وكأن الزمن توقف عند هذا المكان بعيدًا عن أي مظهر من مظاهر التطور، وأخرج معها عقد الملكية الذي تسلمه من محامي العائلة.

لماذا الآن؟

تساءل داخليًا للمرة الألف.
لماذا أوصى الجد بعدم فتح هذا البيت إلا بعد مرور عشرين عامًا على وفاته؟
ولماذا أصرّ على أن يكون عمر وحده هو من يتسلمه؟

أدخل المفتاح في القفل الصدئ.
قاوم القفل في البداية، ثم رضخ أخيرًا، مطلقًا صريرًا حادًا شق سكون القرية الساكن.
اندفعت الرياح فدفعت الباب بعنف مفاجئ، وكأن البيت كان يزفر أنفاسه المحتبسة بعد انتظار طويل لمن يجرؤ على الدخول.

اجتاحت أنف عمر رائحة خانقة، مزيج مخيف من بخور غريب ورائحة جلد محترق.
خطا خطوته الأولى داخل مندرة البيت، فبيوت الصعيد لا تخلو أبدًا من مندرة لاستقبال الضيوف. كانت الأرضية مغطاة بطبقة سميكة من التراب، لكن ما أثار الرعب حقًا لم يكن الإهمال، بل آثار أقدام صغيرة للغاية لا تشبه أقدام البشر، أشبه بقوائم ماعز، تبدأ من منتصف المندرة وتنتهي عند حائط مصمت بلا مخرج.

هل هناك من يعيش هنا؟
تمتم عمر بصوت مرتعش.
لم يأتِه الرد صوتًا، بل حركة مفاجئة في قلب الظلام.
ستارة ممزقة ارتفعت في الهواء، رغم انعدام أي تيار هواء داخل المندرة.

غادر عمر المكان مسرعًا وصعد إلى الطابق الثاني، حيث تقع غرفة جده الخاصة.
كانت الغرفة كما رآها في طفولته، لم يتغير فيها شيء: سرير نحاسي ضخم، خزانة كتب تمتد من الأرض حتى السقف، ومكتب خشبي عتيق يتوسط المكان.
فوق المكتب كان هناك كتاب مفتوح، صفحاته صفراء هشة، مكتوبة بمداد أحمر غريب لا يشبه الحبر المألوف.

بدأ عمر يقرأ بصعوبة:
من طرق بابنا بالدم، لا يخرج إلا بالدم.
العهد قائم ما دام النسل مستمرًا.
والسابعة هي القربان الأخير.

وما إن أنهى القراءة، حتى بدأت جدران الغرفة تفرز سائلًا أسود لزجًا، يتسلل من مسام الحجر ويتجمع في الزوايا الأربع.
وفي اللحظة نفسها، راحت ظلال طويلة تظهر، تتمدد وتتقلص، كأنها كائنات حية تستيقظ من سبات قديم.

شعر عمر ببرودة مباغتة تسري في أطرافه،
برودة لا تمس الجسد وحده، بل تتغلغل في الروح وتجمّدها.

ثم سمع الهمس .
صوتًا يخرج من خلف أذنيه مباشرة، أجشًّا متقطعًا، كأنه يشق طريقه من حنجرة ممتلئة بالرمال:

تأخرت يا حفيد منصور
الضيوف في الأسفل جياع
وأنت المأدبة.

استدار عمر في هلع، لكن الغرفة كانت خاوية.
لا أحد… ولا شيء سوى الظلال المرتعشة.

اندفع محاولًا الهرب نحو الباب، غير أن الأرضية تحت قدميه لم تعد صلبة، بل تحولت إلى مستنقع أسود لزج يشدّه إلى الأسفل.
وفي اللحظة نفسها، بدأ شيء ما يزحف من تحت السرير النحاسي.

لم يكن جنيًا كما صورته أفلام السينما، بل كيانًا مشوهًا، عاري الجسد، هزيلًا حتى بدت عظامه بارزة تحت جلده الأزرق الشاحب، كجثة انتُشلت من الماء بعد أيام.
عيناه لم تحملا أي بياض، بل حدقتان سوداوان واسعتان تبتلعان الضوء من حولهما.

كان الكيان يحمل مبخرة فخارية تتصاعد منها أدخنة زرقاء، وراح يدور حول عمر في دوائر ضيقة، بينما قدماه مغلولتان بأرضية الغرفة، وهو يتمتم بصوت غامض:

باسم الذي أقام السبعة
وباسم الذي سكن القفار
نفتح اليوم باب الثأر
حفيد الساحر عاد للدار

حاول عمر الصراخ، لكن صوته لم يعد ملكه.
فتح فمه، ولم يخرج سوى هواء بارد خاوٍ.

سقط على ركبتيه، وفي اللحظة نفسها بدأت الأشباح في الظهور، تحيط به وتتجسد شيئًا فشيئًا.
أشخاص بملابس ريفية قديمة، لكن وجوههم كانت ممسوحة، بلا عيون ولا أفواه، يمدون أيديهم المتقرحة ليلامسوا جسده.

في تلك اللحظة
وقعت عينا عمر على مرآة الغرفة الكبيرة.

لم يرَ انعكاسه.
بل رأى جده، منصور الحسيني، جالسًا على كرسي هزهز، وخلفه كائن ضخم ذو قرون ملتوية يضع يده على كتفه.
كان الجد ينظر إليه بحزن عميق، ويحرّك شفتيه بكلمة واحدة فقط:

اهرب.

فجأة تحررت قدما عمر.
اندفع بكل ما أوتي من قوة نحو النافذة، وحطم الزجاج بيده، التي انفجرت دمًا.
وما إن سقطت قطرات دمه على أرض الغرفة، حتى اهتز البيت كله بزلزال مكتوم، أعقبه صراخ جماعي من كل الزوايا، صراخ لا تتحمله أذن بشرية.

لم يقفز عمر من النافذة كما خطط، بل شعر بقوة مغناطيسية تجذبه إلى أسفل، نحو قبو البيت.
هبط السلم الخشبي المتآكل، وهو ينهار تحت قدميه.

كان الظلام في الأسفل حيًا…
ينبض.
له أنفاس ثقيلة وقلب يخفق.

وصل إلى القبو، وهناك، في مركزه تمامًا، رأى دائرة مرسومة بالملح والدم، وفي وسطها صندوق صغير من الأبنوس، يشع بضوء أخضر شاحب.
كان الصندوق يهتز بعنف، كأن روحًا محبوسة بداخله تحاول تحطيم الخشب والخروج.

فجأة
انطفأ كل شيء.
وساد صمت قاتل.

لم يكسره سوى صوت طقطقة أصابع تقترب من خلفه، وصوت أنثوي ناعم، رقيق، ومرعب في آن واحد، يهمس:

أهلًا بك في بيتك يا عمر…
هل أحضرت معك المفتاح؟
ليس مفتاح الباب…
بل مفتاح قلبك.

شعر عمر بظفر طويل يشق قميصه من الخلف، ويرسم علامة زائد على ظهره.

وفي تلك اللحظة
فقد وعيه.

ليبدأ الكابوس الحقيقي، الذي لم تكن كل هذه الأحداث سوى مقدمته.

 " نذير الدم " سلسلة حلقات القصص القصيرة 

الحلقة الأولى 

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

إعلان Google AdSense

أخبار تقنية

إعلان Google AdSense

فيديو