🎬قص ولصق مرآة جيل تائه بين الإحباط والبحث عن النجاة
فيلم قص ولصق عمل سينمائي يقدّم صورة قريبة من الواقع لحياة الشباب المصري، كاشفًا عن حالة الإحباط واليأس التي تطاردهم، من خلال نماذج بشرية حقيقية تعيش داخل المجتمع المصري بكل تناقضاته وضغوطه.
قصة الفيلم
يركز الفيلم على أربع شخصيات أساسية، يتم نقلها إلى الشاشة بروح واقعية، دون تزييف أو تجميل. في القلب منها شخصية يؤديها شريف منير، شاب تجاوز الثلاثين من عمره، يعمل في تركيب أطباق الدش، رغم أنه خريج كلية التجارة منذ سنوات. ومع تطور الأحداث، يتضح عجزه عن إيجاد فرصة عمل تتناسب مع مؤهله، فيضطر للتحايل على ظروف الحياة والعمل في مجال بعيد تمامًا عن دراسته.
يعرض الفيلم تفاصيل حياته اليومية، حيث فقد والديه ويقيم مع شقيقه الأكبر في شقة الأسرة، ويصطدم بعجزه عن الارتباط بالفتاة التي يحبها بسبب أوضاعه المادية غير المستقرة.
وفي خطٍ درامي آخر، تظهر شخصية صديقه التي يجسدها فتحي عبد الوهاب، شاب يرفض العمل خارج إطار تخصصه، ويتمرد على الواقع القاسي من خلال الانغماس في تعاطي المخدرات، معبرًا عن حالة الانكسار واليأس التي تحاصر قطاعًا واسعًا من الشباب.
بالتوازي مع ذلك، يرصد الفيلم حياة شخصية تؤديها حنان ترك، امرأة بلغت الثلاثين من عمرها دون أن تتمكن من الحصول على عمل، رغم تخرجها الجامعي. تضطر للعمل في شراء وبيع أي شيء، محاولة الاعتماد على نفسها، ورافضة الاتكال على والدتها سوسن بدر، صاحبة صالون تجميل للسيدات. وكانت قد فقدت والدها الذي توفي أثناء عمله في إحدى دول الخليج، ما ترك أثرًا نفسيًا عميقًا في حياتها.
وللهروب من أزمتها والبحث عن مخرج يضمن لها فرصة الهجرة بعيدًا عن واقعها، تتخذ قرارًا بالزواج الشكلي من شخصية شريف منير، دون وجود زواج فعلي، في محاولة يائسة لإيجاد حل سريع لمأزقها.
وجاء اختيار عنوان الفيلم قص ولصق ليعبّر عن حالة العشوائية والتفكك التي يعيشها المجتمع، وعن التراجيديا الصامتة التي تحاصر جيلًا كاملًا من الشباب، يجد نفسه مضطرًا إلى إعادة ترتيب حياته بطرق مرتجلة، في واقع لا يترك له خيارات حقيقية.
نقد فني لفيلم قص ولصق
يعد فيلم قص ولصق واحدًا من الأعمال السينمائية التي حاولت الاقتراب بجرأة من نبض الواقع الاجتماعي المصري في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، دون اللجوء إلى الميلودراما الصارخة أو الحلول السهلة. الفيلم لا يقدّم حكاية تقليدية ذات بداية وذروة ونهاية مغلقة، بقدر ما يطرح حالة عامة لجيل كامل وجد نفسه محاصرًا بين أحلام مؤجلة وواقع خانق.
أهم ما يميّز الفيلم هو اعتماده على الواقعية الهادئة، حيث تتقدم الشخصيات والأحداث دون افتعال أو مبالغة. الشخصيات لا تصرخ كثيرًا، لكنها تتآكل من الداخل. هذا الاختيار الجمالي يُحسب للعمل، لأنه يعكس بدقة طبيعة الإحباط الصامت الذي يعيشه الشباب، ذلك الإحباط الذي لا يجد منفذًا سوى في التسليم أو الهروب.
أداء شريف منير يأتي بعيدًا عن البطولة التقليدية، فهو لا يلعب دور البطل المنقذ أو صاحب المبادرة، بل شخصية مأزومة، مستسلمة نسبيًا، تتعايش مع الفشل كقدر يومي. أداؤه يتسم بالبساطة والصدق، ويعتمد على التفاصيل الصغيرة أكثر من الانفعالات الكبيرة، وهو ما يخدم طبيعة الشخصية ويجعلها قريبة من المتلقي.
في المقابل، يقدم فتحي عبد الوهاب واحدة من أكثر الشخصيات تعبيرًا عن التمرد السلبي. شخصيته ليست شريرة ولا بطولية، بل نموذج لإنسان اختار طريق الهروب عبر المخدرات، كاحتجاج صامت على واقع يرفض الاعتراف به. هنا ينجح الفيلم في عدم إصدار أحكام أخلاقية مباشرة، تاركًا للمشاهد مساحة للتفكير والتأمل.
أما حنان ترك، فتقدم نموذجًا مختلفًا للمرأة في السينما الواقعية، بعيدًا عن الصورة الرومانسية أو المستكينة. شخصيتها امرأة عالقة بين الرغبة في الاستقلال والخوف من السقوط، وبين رفض الاعتماد على الأم والاضطرار للبحث عن حلول غير تقليدية، مثل الزواج الشكلي. أداؤها يتسم بالاتزان، ويكشف عن صراع داخلي عميق دون استعراض.
تأتي شخصية الأم، التي تؤديها سوسن بدر، لتضيف بُعدًا اجتماعيًا مهمًا، فهي تمثل الجيل الذي اعتاد الحلول العملية والواقعية، في مقابل جيل الأبناء العالق في منطقة رمادية بين الطموح والعجز. وجودها في الفيلم ليس هامشيًا، بل يعكس صدامًا غير مباشر بين جيلين مختلفين في الرؤية والتجربة.
على مستوى الإخراج، يتسم الفيلم بإيقاع هادئ قد يراه البعض بطيئًا، لكنه في الحقيقة يخدم الفكرة الأساسية، حيث يعكس حالة الركود والجمود التي تعيشها الشخصيات. الكاميرا لا تسعى للإبهار البصري، بل تكتفي بالاقتراب من الوجوه والأماكن اليومية، مؤكدة على واقعية المشهد.
أما عنوان الفيلم «قص ولصق»، فيُعد من أنجح عناصره الرمزية، إذ يشير إلى حالة التفكك والعشوائية التي يعيشها المجتمع، حيث تُركب الحياة من حلول مؤقتة، وقرارات ناقصة، ومحاولات ترقيع لا تعالج جوهر الأزمة. كل شخصية في الفيلم تمارس فعل «القص واللصق» بطريقتها الخاصة، سواء في العمل أو العلاقات أو الأحلام.
في المجمل، يمكن القول إن «قص ولصق» ليس فيلمًا للترفيه السريع، بل عمل يتطلب مشاهدًا متأملًا، قادرًا على قراءة ما بين السطور. قوته الحقيقية تكمن في صدقه، وفي جرأته على تقديم واقع بلا مساحيق، جاعلًا منه شهادة فنية على مرحلة اجتماعية شديدة القسوة في تاريخ الشباب المصري.
يرى أحد النقاد أن فيلم «قص ولصق» ينتمي إلى تلك الأعمال التي لا تراهن على الحبكة الصاخبة أو المفاجآت الدرامية، بقدر ما تراهن على الصدق والاقتراب الهادئ من الواقع. فالفيلم لا يحاول تقديم حلول أو إطلاق شعارات مباشرة، بل يكتفي بوضع المشاهد أمام مرآة اجتماعية قاسية، تعكس ملامح جيل أنهكته الانتظارات الطويلة والفرص المؤجلة.
ويحسب للعمل أنه تعامل مع شخصياته بوصفها كائنات بشرية كاملة، لا نماذج نمطية أو أدوات لتمرير رسالة جاهزة. فكل شخصية تحمل تناقضاتها وضعفها، وتتحرك داخل مساحة رمادية لا تسمح بإدانة واضحة ولا بتبرير كامل. هذا الاختيار جعل الفيلم أكثر صدقًا وأقرب إلى المزاج العام للشباب في تلك المرحلة، حيث لم يكن اليأس صاخبًا، بل صامتًا ومتراكمًا.
كما يشير الناقد إلى أن الفيلم نجح في تحويل التفاصيل اليومية البسيطة—العمل المؤقت، السكن المشترك، العلاقات المؤجلة—إلى عناصر درامية فاعلة، دون افتعال أو مبالغة. الكاميرا لا تتدخل لفرض رأي، بل تراقب، وتترك الزمن يتسلل إلى الشخصيات، كاشفًا عن هشاشتها الداخلية. وهو ما منح العمل طابعًا تأمليًا نادرًا في السينما التجارية.
ويرى الناقد أن عنوان الفيلم لم يكن اختيارًا عابرًا، بل مفتاحًا لقراءته؛ فحياة الأبطال تبدو وكأنها مُركّبة من حلول مؤقتة وقرارات ناقصة، تمامًا كفعل «القص واللصق» الذي لا ينتج بناءً متماسكًا بقدر ما يؤجل الانهيار. ومن هنا، يخرج الفيلم من كونه حكاية عن أفراد، ليصبح تعبيرًا عن حالة اجتماعية عامة.
في المجمل، يعتبر الناقد أن «قص ولصق» فيلم يحترم عقل المشاهد، ويثق في قدرته على الفهم دون شرح أو توجيه، وهو ما يمنحه قيمة فنية تتجاوز زمن إنتاجه، ليظل شاهدًا صادقًا على مرحلة كاملة من القلق الاجتماعي والإنساني.
⏳ قراءة السيناريو من هنا
— موقع الشمس اليوم



تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي