لحظة التوقف… حين يعاندك المشهد
كتب: رياض سيف
فجأة، وبدون مقدمات، تتوقف عن كتابة مشاهدك الدرامية. يصبح المشهد عصيًّا، عنيدًا، مغلقًا على نفسه، إلى درجة أنك تُلقي بقلمك مستاء، وتحدّق في الفراغ وكأن الكلمات أعلنت العصيان الكامل. في تلك اللحظة، يخيل لك أن ما سيأتي لاحقًا لن يكون سوى كلام فارغ، بلا روح ولا معنى، مجرد حشو لا يليق باسمك ولا بتجربتك.
الكاتب الحقيقي يؤمن أن كل حرف يكتبه يجب أن يكون نابعًا من إحساس داخلي متفجر، معبرًا عن لحظة صدق خالصة، لحظة ولادة جديدة تحمل اسمه وتكون عنوانه الحقيقي. وما عدا ذلك، يبدو بلا قيمة. لذلك تراوده أفكار قاسية: تمزيق ما كتب، أو التوقف انتظارًا لوحيٍ ملهم يخرجه من عنق الزجاجة.
هذا الحال ليس استثناءً، بل هو القاعدة لكل كاتب يحترم نفسه ويحترم قراءه ومشاهديه. كل من اتخذ الكتابة التزامًا ومسؤولية، وليس مجرد مهنة أو هواية عابرة، يدرك تمامًا قسوة هذه اللحظات. لحظات تشعر فيها أن الفكرة خانتك، وأن المشهد الذي تحتاجه يرفض أن يولد، مهما حاولت.
لا يوجد عمل درامي حقيقي بلا هذه المعاناة. كل تجربة كتابة صادقة تمر بإعصار من الشك، ومرارة من العجز، وصراع داخلي بين الاستسلام والمواصلة. وربما تكون هذه اللحظات هي الامتحان الحقيقي الذي يفرز الكاتب الجاد عن غيره.
الغريب أن هذه الحالة لا تدوم إلى الأبد. في لحظة ما، يحدث شيء يقلب المعادلة. فجأة يسيل لعاب القلم، وتندفع الكلمات كما لو أنها كانت محبوسة تنتظر شرارة واحدة فقط. المشاهد تتوالد، والحوار يصبح أكثر كثافة وصدقًا، والشخصيات تستعيد نبضها.
غالبًا لا تأتي هذه الشرارة من المكتب أو من التفكير المجرد، بل من الحياة نفسها. موقف عابر، تجربة معاشة، حدث بسيط في ظاهره، لكنه يحمل في داخله طاقة إنسانية هائلة، قادرة على إنقاذ عمل كامل من الضياع.
التجربة الحياتية كمصدر للدراما
الدراما الحقيقية لا تُخلق في الفراغ. هي وليدة التجربة، وليدة الاحتكاك المباشر بالحياة، بأوجاعها وأفراحها، بانكساراتها الصغيرة وكوارثها الكبرى. الكاتب الذي يعايش، يرى، ويتألم، يملك دائمًا مخزونًا دراميًا لا ينضب.
كثيرًا ما يكون موقف واحد، عاشه الكاتب بصدق، كافيًا لفتح آفاق جديدة في النص، أو لإيجاد مشهد محوري يرفع العمل كله إلى مستوى آخر.
من بين تجاربي الشخصية، أذكر أنني كنت أكتب مسلسلًا مستلهمًا من معايشتي للحياة في فلسطين، بعنوان: "الجوناء / الحب زمن الاحتلال". توقفت عند نقطة حاسمة، كنت بحاجة فيها إلى مشهد واحد فقط، مشهد قادر على إنقاذ الفكرة من العصيان، ودفع الأحداث نحو ذروة التصعيد وحتى نهاية المسلسل.
حاولت كثيرًا، وفشلت. أغلقت الدفاتر، وألقيت بالقلم مستاء، مقتنعًا أن المشهد يرفض أن يولد.
في أحد الأيام، كنت متجهًا من طولكرم إلى مكان إقامتي في رام الله، على متن إحدى الحافلات. عند حاجز عطّارة، كانت هناك دورية احتلالية. السير كان منتظمًا، بلا توقف، إلى أن صعد أحد الجنود إلى الحافلة ليلقي نظرة عابرة.
وحين همّ بالنزول، مد يده إلى السائق طالبًا مصافحته. لكن السائق رفض بوضوح وحزم قائلاً: "لا أضع يدي بيد محتل، ولن أصافح جنديًا من جنوده."
لم تمرّ الكلمات دون ثمن. طلب الجندي من السائق إيقاف الحافلة جانبًا. وكإجراء انتقامي، تم سحب هويات جميع الركاب، وأُجبر الجميع على إنزال متاعهم. تم تفتيش الحقائب بدقة، حتى الحقائب اليدوية الصغيرة.
لم يكتفِ الجنود بذلك، بل تم سحب مفاتيح الحافلة من السائق، وصدر الحكم القاسي: منع الجميع من مغادرة الحافلة لمدة ست ساعات متواصلة، في حين سُمح لجميع السيارات الأخرى بالمرور دون أي اعتراض.
ست ساعات من الانتظار، الغضب، القهر، والمهانة. ست ساعات كانت كفيلة بأن تختصر معنى الاحتلال في مشهد واحد.
وسط هذا الإعصار الإنساني، ووسط هذه المعاناة الحقيقية، وُلد المشهد الذي كنت أبحث عنه. لم أعد بحاجة إلى اختراعه أو تخيله. كان حيًا أمامي، نابضًا، صادقًا، ومشحونًا بكل ما تحتاجه الدراما من توتر وصراع وإنسانية.
هذا المشهد لم ينقذ فقط تلك اللحظة في النص، بل نقل العمل كله إلى ذروة التصعيد، ومهّد لنهاية المسلسل بشكل عضوي، نابع من الواقع لا من الافتعال.
هنا يتأكد اليقين: التجربة والمعاناة تخلقان المستحيل. التعبير عن تجربة صادقة، ومعاناة حقيقية، يمنح الكاتب قوة استثنائية، ويجعل النص أكثر صدقًا وتأثيرًا.
الدراما لا تحتاج إلى المبالغة بقدر ما تحتاج إلى الحقيقة. وحين تكون الحقيقة موجعة، فإنها تصبح أكثر قدرة على لمس المتلقي.
خلاصة القول ، الحدث الحقيقي، حين يُعاد تشكيله فنيًا، يتحول إلى دراما خالدة. والكاتب الذي يملك الشجاعة ليكتب من ألمه، ومن تجربته، ومن معاناته، يضع اسمه في مكان مختلف.
هكذا فقط، يصبح الكاتب رقمًا صعبًا في عالم الدراما، ليس لأنه أتقن الصنعة فقط، بل لأنه كتب بدمه قبل أن يكتب بحبره.
الكتابة الدرامية بين الذاكرة واللحظة الآنية
الكاتب الدرامي لا يكتب فقط مما يراه أمامه، بل مما يختزن داخله. الذاكرة هنا ليست مجرد أرشيف للأحداث، بل خزان للمشاعر، للأصوات، للروائح، للتفاصيل الصغيرة التي لا يلتقطها غير من عاش التجربة. أحيانًا، وأنت تكتب مشهدًا ما، لا تكون المشكلة في ضعف الفكرة، بل في أنك لم تعثر بعد على المدخل الشعوري الصحيح.
الحدث قد يكون بسيطًا، لكن أثره النفسي عميق. والدراما لا تهتم بحجم الحدث بقدر اهتمامها بتداعياته على الإنسان. لهذا، فإن التجربة الشخصية، حتى وإن بدت عادية، يمكن أن تتحول إلى مادة درامية ثرية إذا كُتبت بصدق.
كثير من المشاهد تفشل لأنها مكتوبة من الخارج، من العقل فقط، دون أن تمر بالقلب. المشهد المفتعل قد يكون محكم البناء تقنيًا، لكنه يظل باردًا، بلا نبض. المتلقي قد لا يعرف السبب، لكنه يشعر أن هناك شيئًا غير حقيقي.
على العكس، المشهد المأخوذ من تجربة معاشة، حتى وإن كان بسيط التركيب، يصل مباشرة إلى المتلقي، لأنه يحمل طاقة صدق لا يمكن تزويرها. وهذا ما يميز الكتابة الدرامية الحقيقية عن الكتابة الإنشائية.
في الحالة الفلسطينية، تصبح الحياة نفسها مصنعًا يوميًا للدراما. الحواجز، الانتظار، الإهانات، التفاصيل الصغيرة التي تتكرر كل يوم، كلها تشكل مادة خام لا تنتهي. لكن الخطر يكمن في الاعتياد، في أن تصبح هذه المعاناة مجرد خلفية صامتة.
دور الكاتب هنا أن يعيد اكتشاف هذه التفاصيل، أن يراها كل مرة وكأنها تحدث لأول مرة، وأن يمنحها صوتًا إنسانيًا لا شعاريًا. المشهد الذي وُلد في الحافلة عند حاجز عطّارة لم يكن سياسيًا بقدر ما كان إنسانيًا، ولهذا كان صادقًا ومؤلمًا.
من القهر يولد الصراع الدرامي
الصراع هو جوهر الدراما. وكل قهر حقيقي يولد صراعًا حادًا بين الإنسان وواقعه، بين ما يريد وما يُفرض عليه. في المشهد الذي عشته، كان الصراع واضحًا: كرامة السائق في مواجهة سلطة السلاح، وصمت الركاب في مواجهة العقاب الجماعي.
هذا النوع من الصراع لا يحتاج إلى تزيين أو مبالغة. يكفي أن يُكتب كما هو، بتفاصيله القاسية، ليصبح مشهدًا مكتمل الدراما.
أحيانًا، لا يحتاج العمل الدرامي إلى إعادة كتابة كاملة، بل إلى مشهد واحد فقط يعيد ضبط البوصلة. مشهد يُعيد تعريف الشخصيات، ويرفع منسوب التوتر، ويدفع الأحداث إلى الأمام.
هذا المشهد المحوري غالبًا لا يأتي من الخيال، بل من تجربة مكثفة عاشها الكاتب في لحظة صدق قصوى. عندها، يصبح القلم أداة نقل لا أداة اختراع.
الكاتب شاهد لا قاضٍ
من أخطر ما يمكن أن يقع فيه الكاتب الدرامي أن يتحول، من حيث لا يدري، إلى قاضٍ يصدر الأحكام أو واعظ يرفع إصبعه ليقول للمتلقي ما يجب أن يفكر فيه أو يشعر به. الدراما في جوهرها ليست محكمة، وليست منبرًا أخلاقيًا، ولا بيانًا سياسيًا مباشرًا. الدراما فعل عرض قبل أي شيء آخر؛ تضع الحدث أمام المتلقي كما هو، وتترك له حرية التفاعل والفهم والحكم.
الكاتب الدرامي الحقيقي هو شاهد. شاهد رأى وعايش وتأثر، ثم نقل التجربة بقدر ما استطاع من صدق وأمانة. الشهادة هنا لا تعني الحياد البارد أو الغياب العاطفي، بل تعني احترام الحقيقة واحترام المتلقي في آن واحد. أن تنقل الإحساس كما وقع، لا كما ترغب أن يُفهم. وأن تثق بأن المتلقي يمتلك وعيًا وقدرة على استنتاج موقفه دون وصاية.
في المشهد المستوحى من حادثة الحافلة، لم يكن المطلوب كتابة خطاب سياسي، ولا تحميل المشهد شعارات مباشرة، ولا دفع المتلقي إلى موقف جاهز. المطلوب كان نقل إحساس إنساني خالص: العجز أمام القوة، الغضب المكبوت، الانتظار الطويل، والإهانة الصامتة. هذه المشاعر، حين تُعرض بصدق، تكون أكثر قسوة وتأثيرًا من أي خطاب مباشر أو جملة تقريرية.
عندما يتخلى الكاتب عن دور القاضي، ويتحرر من رغبة الإدانة أو التبرير، يكتسب النص عمقًا إنسانيًا أكبر. لا يشعر المتلقي أنه مُلقَّن أو مُستهدف، بل يشعر أنه شريك في التجربة. وهنا تحديدًا تتجلى قوة المشهد الدرامي الحقيقية؛ قوة نابعة من الصدق لا من الوعظ، ومن العرض لا من الحكم.
المعاناة كوقود لا كغاية
المعاناة في حد ذاتها ليست فضيلة، ولا ينبغي تمجيدها أو التعامل معها بوصفها شرطًا أخلاقيًا للإبداع. الألم لا يصنع نصًا جيدًا تلقائيًا، كما أن القسوة وحدها لا تخلق فنًا. ما يمنح المعاناة قيمتها الإبداعية هو قدرتها على التحول: أن تتحول إلى معرفة، ثم إلى خبرة فنية، ثم إلى رؤية قادرة على إنتاج معنى. الكاتب لا يتلذذ بالألم، ولا يستعرضه، بل يستخدمه كوقود يدفع النص إلى الأمام دون أن يحرقه.
كل تجربة قاسية تحمل خطرين متناقضين: خطر التهرب منها بالصمت، وخطر استغلالها بالمبالغة. الكاتب المسؤول يسلك طريقًا ثالثًا أكثر صعوبة، طريق التحويل. أن ينظر إلى معاناته من مسافة فنية، لا ليبررها أو يدينها، بل ليفهمها. هذا الفهم هو ما يسمح للنص أن يكون صادقًا دون أن يكون فجًّا، ومؤثرًا دون أن يكون ابتزازيًا.
كلما كانت المعاناة أعمق، زادت مسؤولية الكاتب في كيفية التعامل معها. فالتجربة المؤلمة ليست مادة خامًا بلا ثمن، بل أمانة. تحويلها إلى نص يتطلب احترام التجربة نفسها واحترام من عاشوها أو يشبهونه فيها. النص الذي يستغل الألم لتحقيق تأثير سريع يفقد قيمته سريعًا، أما النص الذي يحترم المعاناة ويمنحها شكلًا إنسانيًا متوازنًا، فإنه يبقى.
حين تُستخدم المعاناة كوقود لا كغاية، يصبح النص أكثر نقاءً. لا يعود الهدف هو استعراض الجرح، بل كشف معناه. عندها فقط تتحول التجربة القاسية من عبء شخصي إلى إضافة فنية، ومن ذكرى موجعة إلى عمل قادر على لمس الآخرين دون أن يجرحهم.
الصدق الفني وبناء الاسم
المعاناة في حد ذاتها ليست فضيلة، ولا ينبغي تمجيدها أو التعامل معها بوصفها شرطًا أخلاقيًا للإبداع. الألم لا يصنع نصًا جيدًا تلقائيًا، كما أن القسوة وحدها لا تخلق فنًا. ما يمنح المعاناة قيمتها الإبداعية هو قدرتها على التحول: أن تتحول إلى معرفة، ثم إلى خبرة فنية، ثم إلى رؤية قادرة على إنتاج معنى. الكاتب لا يتلذذ بالألم، ولا يستعرضه، بل يستخدمه كوقود يدفع النص إلى الأمام دون أن يحرقه.
كل تجربة قاسية تحمل خطرين متناقضين: خطر التهرب منها بالصمت، وخطر استغلالها بالمبالغة. الكاتب المسؤول يسلك طريقًا ثالثًا أكثر صعوبة، طريق التحويل. أن ينظر إلى معاناته من مسافة فنية، لا ليبررها أو يدينها، بل ليفهمها. هذا الفهم هو ما يسمح للنص أن يكون صادقًا دون أن يكون فجًّا، ومؤثرًا دون أن يكون ابتزازيًا.
كلما كانت المعاناة أعمق، زادت مسؤولية الكاتب في كيفية التعامل معها. فالتجربة المؤلمة ليست مادة خامًا بلا ثمن، بل أمانة. تحويلها إلى نص يتطلب احترام التجربة نفسها واحترام من عاشوها أو يشبهونه فيها. النص الذي يستغل الألم لتحقيق تأثير سريع يفقد قيمته سريعًا، أما النص الذي يحترم المعاناة ويمنحها شكلًا إنسانيًا متوازنًا، فإنه يبقى.
حين تُستخدم المعاناة كوقود لا كغاية، يصبح النص أكثر نقاءً. لا يعود الهدف هو استعراض الجرح، بل كشف معناه. عندها فقط تتحول التجربة القاسية من عبء شخصي إلى إضافة فنية، ومن ذكرى موجعة إلى عمل قادر على لمس الآخرين دون أن يجرحهم.
التجربة الفردية والذاكرة الجمعية
حين تُكتب التجربة الفردية بصدق كامل، تتحول تلقائيًا إلى جزء من الذاكرة الجمعية. ما يعيشه شخص واحد، إذا كُتب بعمق ووعي، لا يظل حبيس حدود الذات، بل يتجاوزها ليصبح مرآة لآخرين كثيرين. هنا لا تعود القصة شخصية خالصة، بل تصبح تمثيلًا لوجع مشترك، أو حلم مشترك، أو خوف يتقاسمه عدد لا يُحصى من البشر.
ما حدث في تلك الحافلة لم يكن قصة شخص بعينه، ولا موقفًا عابرًا في يوم عادي، بل كان اختزالًا مكثفًا لتجربة شعب بأكمله. لحظة واحدة حملت في داخلها معنى القهر، والانتظار، والكرامة المجروحة، والعجز المفروض. حين تُنقل هذه اللحظة بصدق، دون مبالغة أو خطابية، تتحول إلى ذاكرة، لا تخص من عاشها فقط، بل تخص كل من يشبهه أو يرى نفسه فيها.
هنا تكمن قوة الدراما الحقيقية: قدرتها على تحويل الخاص إلى عام، والفردي إلى إنساني شامل. الدراما لا تعمم بالشعارات، بل بالتفاصيل. تفصيل صغير صادق قد يكون أصدق تعبير عن قضية كبرى من ألف خطاب مباشر.
الكاتب، حين ينجح في هذه المعادلة، لا يروي حكايته وحده، بل يساهم في كتابة ذاكرة جماعية، تحفظ التجربة من النسيان، وتمنحها حياة أبعد من لحظتها الزمنية. وهكذا، تتحول الكتابة الدرامية إلى فعل مقاومة للنسيان، وإلى مساحة يلتقي فيها الفرد بالجماعة، والخاص بالإنساني العام.
حين تصبح الحياة هي النص
في النهاية، لا يكتب الكاتب الدرامي عن الحياة، بل يكتب منها. يكتب من احتكاكه اليومي بالعالم، من انكساراته الصغيرة، من لحظات ضعفه التي لا يراها أحد، ومن أزماته التي ظن يومًا أنها نهاية الطريق. فكل توقف في الكتابة ليس فراغًا، بل امتلاء مؤجل. وكل عجز يمر به الكاتب يحمل في داخله بذرة مشهد عظيم، ينتظر فقط لحظة الصدق كي يرى النور.
الكاتب الذي يفهم هذه الحقيقة لا يخاف من الصمت، ولا يجزع من تعثر الفكرة. يدرك أن الأزمة ليست عدوة الإبداع، بل شرطه الخفي. وأن اللحظات القاسية، حين تُعاش بوعي، تتحول مع الوقت إلى معرفة، ثم إلى رؤية، ثم إلى نص قادر على لمس الآخرين. فالمعاناة الحقيقية لا تُهزم، لأنها ببساطة لا تُواجه بالقوة، بل تُحوَّل. تتحول من وجع شخصي إلى طاقة تعبير، ومن تجربة فردية إلى شهادة إنسانية.
وحين يصل الكاتب إلى هذه القناعة، يصبح قلمه أكثر شراسة، لا بمعنى العنف، بل بمعنى الجرأة. جرأة أن يقول ما رآه كما رآه، وما شعر به كما شعر به، دون تزييف أو تجميل. عندها يصبح النص أكثر بقاءً، لأنه لا يعتمد على الصنعة وحدها، بل على الصدق الذي يشبه الحياة نفسها.
هكذا فقط، تتحول الكتابة الدرامية من مجرد محاولة لإتقان شكل أو بناء حبكة، إلى شهادة على زمن، وموقف أخلاقي وإنساني من العالم. تتحول من حرفة تُمارَس إلى مسؤولية تُحتمَل، ومن نص عابر قد يُنسى، إلى عمل حيّ، قابل لإعادة القراءة والمشاهدة، لأنه كُتب من قلب التجربة لا من هامشها.





تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي