ولدينا أقوال أخرى… حين يتحول الحزن إلى لغز نفسي مشوّق
يأتي مسلسل لدينا أقوال أخرى كعمل درامي مختلف في ملامحه ورؤيته، يبتعد عن الصيغة التقليدية السائدة في كثير من المسلسلات التلفزيونية، ليقدّم تجربة أكثر عمقًا وهدوءًا، تعتمد على الدراما النفسية المشحونة بالغموض والتشويق. منذ لحظاته الأولى، لا يسعى المسلسل إلى شدّ انتباه المشاهد عبر أحداث صاخبة أو مفاجآت مباشرة، بل يختار طريقًا أكثر ذكاءً وتأثيرًا، حيث تتسلل الحكاية ببطء إلى أعماق النفس البشرية، وتفرض حضورها عبر الإحساس والأسئلة لا عبر الإجابات الجاهزة.
العمل في جوهره حكاية إنسانية ثقيلة الظل، تتناول الألم والفقد والارتباك الداخلي الذي يصيب الإنسان حين يُسلب منه أكثر ما يحب، فينهار توازنه النفسي وتبدأ علاقته بالواقع في الاهتزاز. ومن هنا، لا يصبح الغموض عنصرًا تشويقيًا فقط، بل أداة درامية أساسية تكشف هشاشة العقل البشري، وتطرح تساؤلات صادمة حول قدرة الذاكرة على الصمود أمام الصدمات القاسية، وحول مدى صدق ما نراه أو نؤمن به.
يعالج المسلسل فكرة الحقيقة بوصفها مفهومًا نسبيًا، قابلًا للتشظي والتأويل، ويضع المشاهد أمام اختبار دائم: هل ما يحدث هو الواقع بالفعل، أم أنه انعكاس لما يدور داخل عقل مثقل بالألم؟ كما يفتح العمل نقاشًا عميقًا حول العدالة، ليس فقط من منظور القانون، بل من منظور إنساني ونفسي، حيث تتداخل المسؤولية مع المرض، والذنب مع المعاناة.
بهذا المعنى، لا يمكن اعتبار «لدينا أقوال أخرى» مجرد مسلسل غموض أو جريمة، بل هو تجربة درامية تتطلب مشاهدًا متأملًا، مستعدًا للدخول في رحلة ذهنية وعاطفية مع الشخصيات، رحلة تُربك المشاعر وتخلخل اليقين، وتؤكد أن خلف كل قصة ظاهرة، هناك دومًا حكايات أخرى، وأقوال أخرى لم تُقل بعد.
القصة: صدمة تهز كل شيء
تدور أحداث المسلسل حول أميرة (يسرا)، امرأة تعيش حياة مستقرة نسبيًا، قبل أن تتعرض في الحلقات الأولى لصدمة مدمّرة بفقدان ابنها محمد (محمد الشرنوبي) في ظروف غامضة.
هذه الفاجعة لا تمر مرور الكرام، بل تترك جرحًا نفسيًا عميقًا يدفع أميرة إلى الدخول في نوبة اكتئاب حادة، لتبدأ رحلة علاج نفسي عند الطبيبة جينا سليم، في محاولة للتماسك واستعادة التوازن.
لكن بدل أن تكون الجلسات النفسية بابًا للشفاء، تتحول حياة أميرة تدريجيًا إلى متاهة مظلمة، حيث تجد نفسها وسط سلسلة من الأزمات المتلاحقة، تنتهي باتهامها في جريمة قتل تقلب حياتها رأسًا على عقب.
من الاتهام إلى المصحّة
مع تصاعد الأحداث، تدخل أميرة السجن، وتتدهور حالتها النفسية بشكل أكبر، ما يؤدي إلى تحويلها إلى مستشفى للأمراض النفسية.
هنا، يبدأ المسلسل في تعميق خطه الدرامي، حيث تختلط الحقيقة بالهلاوس، وتصبح ذاكرة البطلة نفسها موضع شك، في لعبة ذكية تجعل المشاهد شريكًا في التساؤل: هل أميرة بريئة؟ أم أن الحقيقة أخطر مما نتصور؟
| الشخصية | الممثل / الممثلة | الدور الدرامي |
|---|---|---|
| علي | أحمد حاتم | الابن الذي يحاول إنقاذ والدته من الانهيار النفسي والوقوف بجانبها في أزمتها |
| فاطمة | سلمى أبو ضيف | الابنة التي تعيش صراعًا داخليًا بين الشك والخوف، وتحاول فهم حقيقة ما يحدث |
| المحامي | محمد شاهين | يسعى لكشف الخيوط القانونية المعقّدة والعمل على إثبات براءة أميرة |
| شيرين | نجلاء بدر | الصديقة الوفية التي تساند البطلة إنسانيًا وسط العاصفة |
| ملك | شيرين رضا | إعلامية تمثل سلطة الإعلام وتأثيره في تشكيل الرأي العام وإدانة الأشخاص قبل صدور الأحكام |
تشويق نفسي بلا إجابات سهلة
لا يعتمد مسلسل «لدينا أقوال أخرى» على الإثارة الصاخبة أو المفاجآت السريعة بقدر ما يراهن على توتر داخلي متصاعد، ينمو بهدوء ويضغط على أعصاب المشاهد تدريجيًا. الإيقاع هنا محسوب بدقة؛ مشاهد طويلة نسبيًا، صمت مدروس، ونظرات تحمل أكثر مما تقوله الحوارات، وكأن العمل يتعمّد أن يضعنا داخل رأس البطلة، لا أمامها فقط. فلا تُقدَّم الحقيقة في شكل معلومة جاهزة، بل تُفكَّك طبقة بعد أخرى، مشهدًا بعد مشهد، مع كل جلسة علاج نفسي، وكل استدعاء للذاكرة، وكل مواجهة مع الماضي.
الغموض في المسلسل لا يتمحور حول الجريمة وحدها، بل يتجاوزها إلى السؤال الأخطر: هل يمكن للعقل أن يخون صاحبه؟ وهل الذاكرة مرآة صادقة دائمًا أم أنها قابلة للتشويه حين تتعرض لصدمة عنيفة؟ هنا يصبح المشاهد شريكًا في حالة الشك، غير قادر على الجزم بما هو حقيقي وما هو متخيَّل، وما إذا كانت البطلة ضحية مؤامرة خارجية أم أسيرة اضطراب داخلي لم تدركه بعد.
هذا النوع من التشويق النفسي لا يلهث وراء الإجابات، بل يؤجلها عمدًا، ليُبقي التوتر حيًا، ويجعل كل تفصيلة ـ مهما بدت بسيطة ـ قابلة لإعادة التأويل. ومع تقدّم الأحداث، تتداخل المشاعر مع الوقائع، وتتحول الحقيقة إلى مساحة رمادية، لا أبيض فيها ولا أسود، وهو ما يمنح المسلسل ثقله الدرامي وفرادته، ويجعله تجربة ذهنية قبل أن يكون مجرد حكاية جريمة.
تعاون فني متجدد
يمثل مسلسل «لدينا أقوال أخرى» التعاون الثالث على التوالي بين الفنانة يسرا والمنتج جمال العدل في الدراما التلفزيونية، بعد مسلسلي:
🟡 فوق مستوى الشبهات
🟡 الحساب يجمع
وهو التعاون الحادي عشر بينهما بشكل عام، ما يعكس حالة من الثقة الفنية والرؤية المشتركة في تقديم دراما تعتمد على الشخصية قبل الحدث.
اللافت أن المسلسل بدأ التحضير له بعنوان مؤقت هو «بني يوسف»، وتم التصوير بالفعل تحت هذا الاسم، قبل الاستقرار في النهاية على العنوان الحالي «لدينا أقوال أخرى»، وهو عنوان أكثر غموضًا وملاءمة لطبيعة العمل، ويعكس فكرته الأساسية:
لا حقيقة واحدة… بل روايات متعددة.
لدينا أقوال أخرى ليس مجرد مسلسل جريمة، بل تجربة نفسية عميقة، تضع المشاهد أمام مرآة الأسئلة الصعبة:
🟡 هل يمكن للصدمة أن تغيّر الحقيقة؟
🟡 وهل كل متهم مذنب؟
🟡 ومن يملك حق رواية القصة؟
عمل يعتمد على الأداء، والكتابة، والتشويق الذكي… ويؤكد أن الدراما النفسية حين تُقدَّم بوعي، تكون أكثر تأثيرًا من أي إجابة جاهزة.
قراءة نقدية في مسلسل «لدينا أقوال أخرى»: دراما نفسية تراهن على العقل لا على الحدث
يقدّم مسلسل لدينا أقوال أخرى تجربة درامية لا يمكن التعامل معها بوصفها عملًا تقليديًا في إطار الغموض أو الجريمة، بل كطرح نفسي يعتمد على التفكيك البطيء للشخصيات والأحداث، ويضع المشاهد أمام اختبار صعب للصبر والتركيز. العمل يختار أن يكون هادئًا، متأنّيًا، وأحيانًا مربكًا، وهو اختيار واعٍ يحمل نقاط قوة واضحة، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات فنية على مستوى الإيقاع والتلقي.
أولى نقاط القوة في المسلسل تكمن في فكرته الأساسية، حيث لا يتم التعامل مع الجريمة كغاية نهائية، بل كوسيلة لكشف التصدعات الداخلية في النفس البشرية. القصة لا تسأل فقط: “من القاتل؟”، بل تذهب أبعد لتسأل: “هل يمكن الوثوق بالذاكرة؟”، و“إلى أي مدى يمكن للصدمة أن تعيد تشكيل الحقيقة؟”. هذا التوجه يمنح العمل عمقًا فلسفيًا ونفسيًا نادرًا نسبيًا في الدراما التلفزيونية، ويجعل الغموض نابعًا من الداخل لا من الحبكة وحدها.
على مستوى السيناريو، ينجح العمل في بناء حالة نفسية متماسكة، تعتمد على التراكم لا على الصدمة. الحوارات غالبًا محسوبة، تميل إلى الاقتصاد في الكلام، وتترك مساحات للصمت والنظرات، وهو خيار يخدم الطابع النفسي، لكنه في بعض الحلقات يقترب من الإطالة غير المبررة. هنا يظهر أحد المآخذ الأساسية: فالإيقاع، رغم اتساقه مع طبيعة العمل، قد يبدو بطيئًا أكثر من اللازم لبعض المشاهدين، خصوصًا في المنتصف، حيث تتكرر الحالات الشعورية دون إضافة درامية كافية.
أما على صعيد الأداء التمثيلي، فيحمل العمل ثقله الحقيقي. أداء يسرا يأتي متزنًا، بعيدًا عن المبالغة، معتمدًا على التعبير الداخلي أكثر من الانفعال الخارجي. الشخصية تمر بتحولات نفسية دقيقة، ويُحسب للأداء أنه لم يسقط في فخ الاستعطاف السهل، بل قدّم امرأة منهكة، مرتبكة، ومكسورة دون ادعاء. بقية الأدوار المساندة تؤدي وظائفها الدرامية بوعي، خاصة الشخصيات القريبة من البطلة، التي تمثل زوايا مختلفة للصراع بين التعاطف والشك.
اللافت أيضًا هو استخدام الطب النفسي داخل السرد الدرامي. المسلسل لا يتعامل مع العلاج النفسي كديكور، بل كأداة سردية أساسية، تُستخدم لاستدعاء الماضي، وإعادة تفسير الأحداث، وخلق حالة من عدم اليقين. ومع ذلك، كان من الممكن تعميق هذا الجانب بشكل أوضح، سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج، بدل الاكتفاء بإشارات عامة قد تبدو أحيانًا تفسيرية أكثر من اللازم.
من الناحية الإخراجية والبصرية، يتبنى العمل أسلوبًا هادئًا يميل إلى الواقعية، مع ألوان باهتة وزوايا تصوير تعكس الانكسار الداخلي للشخصيات. هذا الاختيار يخدم الحالة النفسية العامة، لكنه يفتقر أحيانًا إلى التنويع البصري، ما يضيف إلى الإحساس بالبطء. الموسيقى التصويرية، في المقابل، جاءت منسجمة مع الجو العام، دون فرض نفسها، وهو أمر إيجابي في عمل يعتمد على التوتر الصامت.
إحدى الإشكاليات الجوهرية في المسلسل تتمثل في رهانه العالي على المشاهد الواعي. العمل لا يشرح كثيرًا، ولا يقدّم إجابات واضحة، وهو ما يمنحه قيمة فنية، لكنه في الوقت ذاته يضعه في مواجهة جمهور اعتاد على الإيقاع السريع والحلول المباشرة. هذا التوازن بين الطموح الفني ومتطلبات المشاهدة الجماهيرية لم يكن دائمًا في صالح العمل.
في المحصلة، يمكن القول إن «لدينا أقوال أخرى» عمل جاد ومحترم، يختار أن يناقش الإنسان قبل الحدث، والعقل قبل الجريمة. هو مسلسل لا يرضي الجميع، لكنه يفرض نفسه كخطوة مهمة في اتجاه دراما نفسية أكثر نضجًا، تطرح الأسئلة بدل أن تكتفي بالإجابات، وتؤمن بأن الحقيقة ليست واحدة، بل مجموعة روايات متشابكة… لكلٍ منها قوله الآخر.
🎬قراءة السيناريو أضغط هنا



تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي