آخر المواضيع

لماذا أغلب ورش الكتابة لا تصنع كاتباً ؟!

لماذا أغلب ورش الكتابة لا تصنع كتّابًا؟

✍️مِن تجاهل القراءة العميقة، والاعتماد على السرعة، وغياب النقد الحقيقي، إلى التركيز على المنتج بدل تكوين الكاتب

في السنوات الأخيرة، انتشرت ورش الكتابة الإبداعية وورش كتابة السيناريو والرواية بشكل لافت في العالم العربي، وأصبحت ظاهرة ثقافية قائمة بذاتها. لم تعد هذه الورش مجرد مساحات تعليمية محدودة، بل تحولت إلى صناعة كاملة تُسوَّق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتُقدم بعناوين براقة من نوعية: اصنع روايتك الأولى، كن كاتب سيناريو محترفًا في أسابيع، أو اكتشف الكاتب الكامن بداخلك. هذا الخطاب الجذاب يخلق لدى كثيرين انطباعًا بأن الكتابة مهارة يمكن اختصارها، وأن الإبداع مسألة تقنية يمكن امتلاكها عبر حضور عدد محدد من الجلسات.

كثير من المتدربين يدخلون هذه الورش وهم يحملون شغفًا حقيقيًا بالكتابة، لكنهم يحملون أيضًا توقعات غير واقعية. يتصور البعض أن الورشة ستمنحهم السر الذي كان ينقصهم، أو الوصفة السحرية التي تفصل بين الكاتب العادي والكاتب المحترف. ومع مرور الوقت، تتحول الورشة في أذهانهم إلى شهادة غير مكتوبة تمنحهم شرعية لقب «كاتب»، حتى قبل أن يكتبوا نصًا ناضجًا واحدًا. المشكلة هنا لا تكمن في الرغبة في التعلم، بل في اختزال مسار طويل ومعقد في تجربة قصيرة ومكثفة.

الواقع، كما تكشفه التجربة العملية، يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. أغلب ورش الكتابة لا تصنع كتابًا حقيقيين، بل تصنع إحساسًا زائفًا بالتقدم. يخرج المتدرب وهو يشعر أنه أصبح أفضل، لأنه تعرّف على مصطلحات جديدة، وكتب تمرينات سريعة، وحصل على تشجيع جماعي، لكن هذا التحسن غالبًا ما يكون سطحيًا ومؤقتًا. وعندما يواجه الصفحة البيضاء وحده بعد انتهاء الورشة، يكتشف أن الأدوات النظرية لا تتحول تلقائيًا إلى نص حي، وأن الكتابة الحقيقية أكثر قسوة وتعقيدًا مما صُوِّر له.

هذه الظاهرة لا تعني أن ورش الكتابة بلا قيمة، ولا أنها مشروع فاشل بطبيعته. على العكس، التعلم المنهجي وتبادل الخبرات يمكن أن يكونا عنصرين مهمين في تطور أي كاتب. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في الطريقة التي تُقدَّم بها هذه الورش، وفي الوعود الضمنية التي تُحمِّلها أكثر مما تحتمل. حين تتحول الورشة من مساحة للتعلم إلى بديل عن التجربة، ومن أداة مساعدة إلى وهم بالاكتفاء، تبدأ المشكلة.

كما أن كثيرًا من الورش تركز على النتيجة السريعة بدل المسار الطويل. يتم قياس النجاح بعدد النصوص المكتوبة خلال الورشة، لا بقدرة المتدرب على الاستمرار في الكتابة بعدها. يتم الاحتفاء بالمنتج، لا بالتحول الحقيقي في وعي الكاتب وأدواته. وهنا يخرج أغلب المتدربين بنفس المستوى الذي دخلوا به، أو أحيانًا أقل، لأنهم يفقدون حافزهم فور انتهاء الإطار المنظم الذي كانت توفره الورشة.

هذه المقالة تحاول تفكيك هذه الظاهرة بعمق، دون تهوين من قيمة التعلم، ودون شيطنة ورش الكتابة نفسها. الهدف ليس مهاجمة التجربة، بل فهم أسباب الفشل المتكرر، وتحليل الفجوة بين ما تعد به الورش وما تحققه فعليًا. سنحاول الإجابة عن سؤال جوهري: لماذا لا يكفي حضور ورشة ليصبح الإنسان كاتبًا؟ ولماذا تبقى الكتابة، رغم كل الدورات والبرامج، فعلًا فرديًا شاقًا لا يُختصر؟

الوهم الأول: الورشة كبديل عن التجربة

أكبر خطأ يقع فيه المتدرّب هو اعتقاده أن الورشة يمكن أن تكون بديلًا عن التجربة الحقيقية. هذا الوهم ينشأ غالبًا من الطريقة التي تُسوَّق بها ورش الكتابة، حيث تُقدَّم على أنها مساحة آمنة ومختصرة يمكن من خلالها تعلم كل ما يلزم لصناعة الكاتب. لكن الحقيقة أن الكتابة ليست مهارة نظرية تُكتسب بالاستماع أو الفهم العقلي فقط، بل هي ممارسة يومية شاقة، تقوم على الاحتكاك المستمر بالفشل، والمحاولة، وإعادة الصياغة، والشك الدائم في جودة ما يُكتب.

التجربة الحقيقية في الكتابة لا تعني فقط أن تكتب نصًا، بل أن تمر بكل ما يصاحب هذا الفعل من توتر وارتباك وإحباط. تعني أن تجلس أمام الصفحة البيضاء وأنت غير واثق مما ستكتبه، وأن تُكمل رغم هذا الشك. تعني أن تعيد كتابة الفقرة الواحدة عشر مرات، ثم تكتشف في النهاية أنها ما زالت ضعيفة. هذه الخبرات لا يمكن نقلها أو محاكاتها داخل ورشة، مهما بلغت جودتها، لأنها خبرات شخصية تُكتسب بالزمن لا بالتلقين.

الورشة قد تعطيك إطارًا عامًا، أو مجموعة أدوات تقنية تساعدك على تنظيم أفكارك، لكنها لا تستطيع أن تعيش بدلًا عنك لحظات الانكسار الأولى، ولا أن تخوض مكانك صراع النص مع الصفحة البيضاء. لا تستطيع أن تتحمّل عنك الإحساس القاسي بأن ما كتبته لا يشبه ما كنت تحلم به، ولا أن تواجه بدلًا عنك السؤال المؤلم: هل أنا أصلًا موهوب بما يكفي؟. هذه الأسئلة، رغم قسوتها، هي جزء أساسي من تكوين الكاتب، وليست عائقًا يجب تجنبه.

المشكلة أن بعض المتدربين، بعد انتهاء الورشة، يصابون بنوع من الفراغ. كانوا يكتبون لأن هناك موعدًا، ومدرّبًا، ومجموعة تنتظر النص. وعندما يختفي هذا الإطار، تختفي الكتابة معه. هنا يتضح الفارق الجوهري بين من اعتبر الورشة تدريبًا مؤقتًا، ومن تعامل معها كبديل كامل عن التجربة. الكاتب الحقيقي هو من يواصل الكتابة عندما لا يكون هناك من يطالبه بها.

كما أن الاعتماد الزائد على الورش قد يؤجل مواجهة الكاتب مع ذاته. داخل الورشة، دائمًا هناك تفسير جاهز، وملاحظة سريعة، وتمرين محدد. أما خارجها، فلا يوجد سوى النص والقارئ الافتراضي. هذه المواجهة المباشرة هي ما تصنع الحس النقدي لدى الكاتب، وهي ما تعلّمه كيف يكتشف أخطاءه بنفسه، لا عبر ملاحظات الآخرين فقط.

الكاتب لا يُصنع في قاعة تدريب، مهما كانت مجهزة أو محترفة، بل يُصنع في العزلة الطويلة مع النصوص الرديئة التي يكتبها في بداياته. تلك النصوص التي لا يقرأها أحد، ولا يصفق لها أحد، لكنها تشكل الطبقة التحتية لكل نص ناضج لاحق. التجربة الحقيقية هي أن تتحمل رداءة بداياتك، وأن تستمر رغمها، لا أن تبحث عن مساحة تخفف عليك صدمة الواقع.

من هنا، يصبح وهم الورشة كبديل عن التجربة أحد أخطر الأوهام التي تعيق تطور الكاتب. فالورشة قد تختصر بعض الفهم، لكنها لا تختصر الطريق. ومن لا يسلك الطريق بنفسه، سيظل متوقفًا عند أول محطة تعليمية، مهما تعددت الورش التي حضرها.

لماذا ورش الكتابة لا تصنع كتّابًا؟

الوهم الثاني: الخلط بين المعرفة والقدرة

كثير من ورش الكتابة تركز بشكل أساسي على شرح المصطلحات والمفاهيم النظرية: الحبكة، وبناء الشخصية، والصراع، والذروة، والقوس الدرامي، ونقطة التحول، وغيرها من الأدوات التي لا غنى عنها في أي عمل سردي. يخرج المتدرّب من هذه الورش وهو يمتلك قاموسًا غنيًا بالمصطلحات، وقادر على شرح بنية القصة بشكل منطقي، وربما على تحليل نصوص الآخرين بذكاء. لكن المشكلة تظهر عندما يُطلب منه أن يكتب نصًا خاصًا به؛ هنا يتضح الفارق الكبير بين المعرفة والقدرة.

المعرفة النظرية، في حد ذاتها، لا تعني القدرة الإبداعية. أن تعرف ما هي الشخصية الجيدة لا يعني أنك قادر على خلق شخصية من لحم ودم. وأن تحفظ تعريف الصراع لا يعني أنك تستطيع زرعه داخل مشهد بطريقة عضوية. الإبداع ليس عملية استدعاء معلومات، بل عملية تحويل داخلي معقدة، تتداخل فيها الخبرة الحياتية، والحس اللغوي، والتجربة، والحدس. وهذا ما تغفله كثير من الورش حين تتعامل مع الكتابة وكأنها مسألة فهم عقلي فقط.

المشكلة تتفاقم عندما يعتقد المتدرّب أن امتلاكه للمفاهيم يجعله متقدمًا فعليًا في مساره. فيبدأ في الحديث عن الكتابة بثقة عالية، ويناقش النصوص من موقع "العارف"، بينما نصوصه الخاصة لا تزال مسطحة أو مفتعلة. هذا الخلل يخلق فجوة خطيرة بين صورة الكاتب عن نفسه، ومستواه الحقيقي. ومع الوقت، قد يتحول هذا الوهم إلى عائق نفسي يمنعه من التطور، لأنه يظن أن مشكلته ليست في المهارة، بل في الظروف أو الفرص.

القدرة الإبداعية لا تُبنى بالحفظ، بل بالممارسة الطويلة. لا تتكوّن إلا عبر الكتابة المتكررة، والفشل المتكرر، وإعادة المحاولة. الكاتب لا يتعلم كيف يكتب مشهدًا قويًا لأنه فهم تعريف المشهد، بل لأنه كتب عشرات المشاهد الضعيفة قبل ذلك. هذه الحقيقة البسيطة تصطدم مباشرة بأسلوب بعض الورش التي تفضل الشرح على التدريب، والكلام عن الكتابة على ممارستها بعمق.

كما أن بعض الورش تتجنب الدخول في المساحات الرمادية للكتابة، لأنها مربكة وصعبة القياس. من السهل أن تشرح القوس الدرامي على السبورة، لكن من الصعب أن تدرّب المتدرّب على الإحساس بالإيقاع، أو على اختيار الجملة المناسبة، أو على معرفة متى يصمت النص. هذه المهارات لا تُدرَّس في نقاط، بل تُكتسب مع الزمن، عبر الاحتكاك المستمر بالنصوص، قراءة وكتابة.

النتيجة النهائية لهذا الخلط بين المعرفة والقدرة هي ظهور فئة من الكتّاب الذين يتحدثون جيدًا عن الكتابة، لكنهم لا يكتبون جيدًا. كتّاب يمتلكون لغة نقدية متقدمة، لكن نصوصهم تفتقر إلى الحياة. وبدل أن تكون الورشة خطوة على طريق التطور، تتحول  دون قصد  إلى مساحة تُرضي العقل، لكنها لا تُدرّب اليد ولا تُرهق الروح.

الورشة الجيدة هي التي تُدرك هذا الفارق، ولا تكتفي بتعليم المفاهيم، بل تُصر على تحويلها إلى ممارسة شاقة. أما الورشة التي تساوي بين الفهم والقدرة، فهي تكرّس وهمًا آخر من أوهام صناعة الكاتب، وتؤجل المواجهة الحقيقية مع النص.

مشكلة القوالب الجاهزة

أغلب ورش الكتابة تعمل بمنطق القالب الواحد، حتى وإن أنكرت ذلك نظريًا. تُدرس نفس البنية، ونفس التقسيمات الكلاسيكية، ونفس الأمثلة المستهلكة، وكأن الإبداع يمكن اختصاره في وصفة جاهزة قابلة للتكرار. يتم التعامل مع القصة أو السيناريو باعتباره معادلة: مقدمة محددة، ثم حدث محرك، ثم تصاعد، ثم ذروة، ثم نهاية. هذه العناصر صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تتحول داخل بعض الورش إلى قيد جامد بدل أن تكون أداة مرنة.

المشكلة ليست في تعليم البنية، بل في تقديسها. حين يُقنع المتدرّب أن هناك شكلًا واحدًا صحيحًا للكتابة، يبدأ تلقائيًا في كبت صوته الخاص. بدل أن يسأل نفسه: ما القصة التي أريد أن أرويها؟ يصبح سؤاله: كيف أُدخل قصتي داخل هذا القالب؟. وهنا يحدث الانفصال الخطير بين التجربة الشخصية والنص المكتوب. القالب يسبق الفكرة، والشكل يفرض نفسه على المضمون.

هذا الأسلوب قد ينتج نصوصًا "مقبولة" تقنيًا، نصوص لا تحتوي على أخطاء فادحة، لكنها في الوقت نفسه بلا روح. نصوص متشابهة، يمكن تبديل أسماء شخصياتها دون أن يتغير شيء جوهري فيها. القارئ يشعر أنه قرأ هذا العمل من قبل، ربما عشرات المرات، لأن القالب نفسه يكرر الإحساس ذاته، حتى لو تغيّرت التفاصيل السطحية.

الأخطر من ذلك أن القوالب الجاهزة تدرب المتدرّب على ما يمكن تسميته "الكتابة الآمنة". كتابة لا تغضب أحدًا، ولا تدهش أحدًا، ولا تكشف الكاتب نفسه. كتابة تحرص على الالتزام بالقواعد أكثر من حرصها على الصدق. ومع الوقت، يتعلم المتدرّب كيف يرضي المدرّب، لا كيف يواجه قارئًا حقيقيًا. فيتحول النص إلى تمرين مدرسي مُتقن، لا إلى عمل إبداعي ينبض بالحياة.

القوالب الجاهزة تخلق أيضًا وهم التقدم السريع. المتدرب يشعر أنه يكتب أفضل لأنه يملأ الفراغات المطلوبة منه، لا لأنه يطوّر حسه السردي. لكن هذا التقدم يتوقف عند حد معين. فعندما يخرج الكاتب من الورشة ويحاول كتابة نص خارج القالب، يكتشف أنه عاجز عن ذلك، لأنه لم يتعلم التفكير الحر، بل تعلم الاتباع.

الكتاب الحقيقيون، عبر التاريخ، لم يكتبوا داخل القوالب، بل اصطدموا بها أولًا، ثم أعادوا تشكيلها. فهموا القواعد جيدًا، ثم كسروها بوعي. أما القالب الذي يُقدَّم في بعض الورش باعتباره الطريق الوحيد، فهو يسبق هذا الفهم، ويمنع الكاتب من الوصول إلى تلك المرحلة الناضجة من العلاقة مع الشكل.

الكاتب الحقيقي لا يكتب داخل قالب، بل يكسره عندما يفهمه. يفهمه من خلال التجربة، والقراءة الواسعة، والاحتكاك بنصوص مختلفة، لا من خلال نموذج واحد مكرر. الورشة التي تفرض قالبًا واحدًا على جميع المتدرّبين، قد تُنتج نصوصًا متشابهة، لكنها نادرًا ما تُنتج كاتبًا له صوت يمكن تمييزه من أول صفحة.

إشكالية المُدرِّب غير الكاتب

إشكالية المُدرب غير الكاتب

واحدة من أخطر مشاكل ورش الكتابة هي أن بعض من يقدّمونها لم يمروا فعلًا بتجربة الكتابة الاحترافية كما هي على أرض الواقع. قد يكون المدرّب قارئًا نهمًا، أو ناقدًا ملمًّا بالمناهج، أو محاضرًا لبقًا يعرف كيف يدير النقاش ويشرح المفاهيم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه كاتب خاض معركة النص حتى نهايتها. الفارق بين من يشرح الكتابة ومن يكتب فعلًا هو فارق جوهري، لا يمكن تعويضه بالثقافة أو الفصاحة.

الكتابة الاحترافية ليست مجرد معرفة بالقواعد أو الاطلاع على النظريات، بل تجربة عملية قاسية. تجربة تسليم نص وأنت غير واثق منه تمامًا، وانتظار الرد، ثم تلقي الرفض، أو الملاحظات القاسية، أو طلبات إعادة الكتابة التي تبدو أحيانًا بلا نهاية. هذه الخبرات تشكّل وعي الكاتب، وتمنحه حساسية خاصة تجاه النص، لا يمكن اكتسابها من القراءة أو التحليل فقط.

المدرّب الذي لم يمر بهذه المراحل غالبًا ما يقدّم نصائح مثالية أكثر من اللازم. يتحدث عن «النص الجيد» بوصفه فكرة مجردة، لا عملية معقدة مليئة بالتناقضات. قد يطلب من المتدرّب أن يكون أكثر جرأة، أو أكثر اختصارًا، أو أكثر عمقًا، دون أن يعرف فعليًا ثمن هذه الخيارات حين تُختبر في سوق حقيقي، أو أمام منتج، أو ناشر، أو جمهور.

كما أن غياب التجربة العملية يجعل بعض المدربين غير قادرين على التعامل مع الإحباط الذي يمر به المتدرّب. الكاتب المبتدئ لا يحتاج فقط إلى تصحيح تقني، بل إلى فهم إنساني لحالته النفسية. يحتاج إلى من يقول له إن رداءة النص الأولى طبيعية، وإن الفشل جزء من المسار، لا علامة على انعدامه. هذا النوع من الدعم لا يأتي إلا ممن عاش التجربة بنفسه.

الكتابة لا تُعلَّم من برج عاجي. لا يمكن نقلها بالكامل عبر شرائح عرض أو أمثلة محفوظة. هي حرفة تُنقل جزئيًا عبر المعايشة، عبر حكايات الفشل قبل النجاح، وعبر الاعتراف بأن الطريق غير مستقيم. الكاتب الذي لم يُكسر نصه من قبل، لا يستطيع أن يعلّمك كيف تنهض بعد كسر النص، لأنه لم يختبر الألم ولا طرق تجاوزه.

هذا لا يعني أن كل ناقد أو أكاديمي غير مؤهل للتدريس، لكن يعني أن ورش الكتابة التي يغيب عنها صوت التجربة الفعلية تكون ناقصة بطبيعتها. أفضل الورش هي تلك التي يقدّمها كتّاب ما زالوا يكتبون، ويخطئون، ويُرفضون، ويعيدون المحاولة. كتاب يعرفون أن النص لا يولد مكتملًا، وأن الطريق إلى الاحتراف مليء بالالتفافات، لا بالخطوط المستقيمة.

حين يقود الورشة شخص لم يختبر هذه الرحلة، تتحول الكتابة إلى خطاب نظري أنيق، لكنه منفصل عن الواقع. وحينها، يتعلم المتدرّب كيف يتحدث عن الكتابة، لا كيف يعيشها. وهذه واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في عالم ورش الكتابة المعاصرة.

تجاهل القراءة العميقة 

من أكثر العادات التي تُفقد الكاتب هويته الإبداعية هي تجاهل القراءة العميقة. في كثير من الورش والدورات التدريبية يُنصب التركيز على مهارات الكتابة نفسها: بناء الشخصيات، كتابة المشاهد، تقنيات السرد .. إلخ، لكن قليلًا ما يُصرح بأن القراءة هي المدخل الحقيقي الذي يصنع الكاتب. المشكلة أن بعض المتدربين يظنون أن الكتابة مهارة تُكتسب فقط بالممارسة، فيُعطون أنفسهم وقتًا طويلًا للكتابة، بينما يقتصر وقتهم على قراءة سطحية لا تُغذي الذهن ولا تُثري الحس الأدبي. هذا الخطأ يُشبه محاولة تعلم السباحة بدون ماء: قد تتعلم حركات اليدين والرجلين، لكنك لن تُحسّن الأداء إلا إذا غصت في الماء.

الكاتب الحقيقي يتكون قبل أن يكتب. القراءة ليست مجرد استهلاك نصوص؛ بل هي عملية بناء داخلي، تدريب للعقل على التعاطي مع اللغة، ومعانيها، وإيقاعها، وبنيتها. القراءة المتنوعة  الرواية، المسرح، السيناريو، المقالات، الشعر، وحتى النصوص غير الأدبية  تُكوّن قاعدة واسعة من الخبرات اللغوية والإنسانية. أما القراءة العميقة فتُعلم الكاتب كيف يقرأ النص نفسه: كيف يلاحظ التفاصيل، كيف يستنتج القوانين الخفية وراء السرد، كيف يفهم السبب في اختيار الكاتب لعبارات معينة بدل أخرى. هذه القراءة التحليلية هي التي تجعل الكاتب قادرًا على تشكيل نص قوي ومتماسك، بدل أن يكرر أنماطًا جاهزة أو يحاكي أسلوبًا دون فهم.

لكن المشكلة أن بعض الورش تتعامل مع القراءة كأمر ثانوي، وكأنها مجرد نشاط جانبي لا يؤثر في تطور المتدرب. وهذا خطأ فادح. لأن الكتابة من دون قراءة عميقة تصبح سطحية، وتكرر نفس الأخطاء، وتبقى محصورة في نفس دائرة الأفكار. الكتابة تتطلب تغذية مستمرة، وإلا تصبح مجرد محاولات عشوائية، وتفقد القدرة على الإبداع الحقيقي. لذلك، أي ورشة تدّعي أنها تُعلم الكتابة دون أن تُلزم المتدرب بقراءة جادة، فهي في الواقع تُجهز متدربًا على الفشل. فالكاتب لا يُصنع من الكلمات التي يكتبها فقط، بل من الكلمات التي يقرأها ويتفاعل معها ويفككها.

الوهم الزمني: الكتابة في وقت قصير

الوهم الزمني: الكتابة في وقت قصير 

تُسوق كثير من ورش الكتابة عبر عناوين جذابة، مثل: “اكتب روايتك في 30 يومًا” أو “كن كاتب سيناريو في 6 أسابيع”. هذه العناوين تعمل بشكل ممتاز تسويقيًا، لكنها غالبًا ما تُخدع المتدرب، وتُضلل فهمه للإبداع. المشكلة ليست في الرغبة في الإنجاز السريع، بل في أن الإبداع لا يعمل وفق قوانين التسويق. الكتابة ليست عملية إنتاج سلع يمكن تسريعها بزيادة عدد الأيام. الكتابة هي عملية تطور داخلي تتطلب وقتًا، وتراكمًا، وتجارب، وفشلًا، وإعادة بناء.

الكاتب يتطور عبر مسار طويل وبطيء. في كل نص يكتبه يتعلم شيئًا جديدًا: كيف يكوّن صراعًا حقيقيًا، كيف يخلق شخصيات ذات عمق، كيف ينسج الأحداث بشكل منطقي، كيف يكتب حوارًا طبيعيًا، وكيف يضبط الإيقاع. هذا المسار لا يمكن ضغطه في مدة قصيرة دون خسائر. لأن الضغط الزمني يجعل المتدرب يركز على الكم بدل الجودة، فيكتب نصوصًا سريعة لكنها تفتقر للعمق. وقد ينجح في إنجاز عدد كبير من الصفحات، لكنه يخرج منها بلا نضج حقيقي، ويصبح ضحية وهم الإنجاز.

الورشة التي تبيع السرعة تبيع وهمًا. لأنها تُغري المتدرب بأن يظن أن الإبداع مسألة “مهارة يمكن تعلمها في وقت محدد”، بينما الحقيقة أن الكتابة تتطلب صبرًا طويلًا، وتدريبًا مستمرًا، وقراءة، وتجارب متعددة. الكتابة ليست “مشروعًا” يُنجز في مدة محددة، بل هي رحلة حياة. قد يكتب الكاتب نصًا جيدًا في فترة قصيرة، لكن ذلك يعتمد على خبراته السابقة، وعمقه الثقافي، ومدى تدريبه على القراءة والكتابة طوال سنوات. أما من يبدأ من الصفر فسينهار تحت ضغط الوقت.

عموماً ، ليست المشكلة أن الورش قصيرة، بل المشكلة أن هذه الورش تُقدم نفسها كحل سريع. وهذا يخلق توقعًا خاطئًا عند المتدرب: يظن أن وصوله إلى مستوى محترف يحتاج إلى “دورة” فقط، بينما الحقيقة أن الكتابة تحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل. لذلك يجب أن يكون المتدرب واعيًا: إن كنت تريد التقدم الحقيقي، فاستعد لمشوار طويل، لا لرحلة سريعة تُسوقها الورش.

غياب النقد الحقيقي 

النقد هو الوقود الأساسي لتطور الكاتب. من دون نقد حقيقي، يبقى النص محاصرًا في عالم الكاتب، لا يرى عيوبه ولا يكتشف نقاط ضعفه. لكن أغلب ورش الكتابة اليوم تخاف من مواجهة المتدربين بواقع نصوصهم. فهي تُقدّم نقدًا مجاملًا، أو تكتفي بتعليقات سطحية، خوفًا من إحباط المتدربين أو خسارتهم. هذا الأسلوب يبدو لطيفًا ومشجعًا، لكنه في الواقع يقتل تطور الكاتب، ويمنعه من رؤية أخطائه بوضوح.

الكاتب يحتاج إلى نقد قوي وصريح، ليس من أجل إحباطه، بل من أجل دفعه للتطور. لأن النص الجيد لا يُصنع بالتشجيع فقط، بل بالتصحيح المستمر. النقد الحقيقي يُظهر للمتدرب نقاط الضعف التي لا يرىها بنفسه: هل الحبكة ضعيفة؟ هل الشخصيات سطحية؟ هل الحوار غير طبيعي؟ هل الإيقاع مُتعب؟ هل هناك تكرار أو ضعف في الوصف؟ هذه الأسئلة لا تُجاب إلا عبر نقد جريء. وعندما يُعطي المدرب نقدًا حقيقيًا، فإن المتدرب يبدأ في فهم قواعد النص، ويبدأ في تطوير ذائقته الأدبية بشكل أسرع.

لكن المشكلة أن النقد الحقيقي مؤلم. لأنه يكسر وهم الكاتب الذي يظن أن نصه ممتاز. والورشة التي لا تُكسر غرور الكاتب في البداية، ستكسره الحياة لاحقًا بشكل أقسى. لأن العالم الحقيقي لا يقدم مجاملات: الناشرون، القراء، والسينمائيون لن يمنحوا الكاتب وقتًا طويلًا ليتعلم من دون نقد. لذلك يجب أن تكون الورشة مساحة آمنة للنقد، لكنها ليست مكانًا للمدح المجاني.

في النهاية، النقد الحقيقي ليس ضد الكاتب، بل هو لصالحه. إنه يدفعه إلى إعادة كتابة النص بشكل أفضل، ويجعله يكتشف جوانب جديدة في كتابته. والكاتب الذي يعتاد على النقد الحقيقي يصبح أكثر قوة وثقة، لأنه يتعلم أن الفشل جزء من الطريق، وأن التحسين يحتاج إلى مواجهة الحقيقة. لذا، أي ورشة لا تقدم نقدًا حقيقيًا فهي في الواقع تسرّع في تدمير موهبة الكاتب، بدل أن تُنميها.

التركيز على المنتج لا على الكاتب

التركيز على المنتج لا على الكاتب 

من الأخطاء الشائعة في كثير من ورش الكتابة أنها تركز على النص النهائي كهدف أساسي، وتُهمش الهدف الحقيقي الذي يجب أن يكون هو الأساس: تكوين عقلية الكاتب. في هذه الورش، يُنظر إلى المتدرب كآلة إنتاج، يجب أن يخرج بنص مكتمل في نهاية الدورة، كأن الهدف هو إنجاز منتج قابل للنشر بسرعة. لكن هذه الفكرة فيها اختزال كبير لطبيعة الكتابة، لأنها تُعطي الانطباع الخاطئ بأن الكتابة مجرد “إنجاز” يمكن قياسه بصفحات أو عدد كلمات. الحقيقة أن النص يمكن أن يُكتب بالصدفة، أو بحظ جيد، أو بتكرار محاولات متعددة دون فهم عميق. أما الكاتب فلا يُصنع بالصدفة؛ هو نتيجة عملية طويلة من التعلم، والممارسة، والتفكير، والقراءة، والنقد.

الكتابة ليست مهارة تُكتسب بمجرد كتابة قصة واحدة. إنما هي عقلية تتكون بمرور الوقت، وتُبنى من خلال سلسلة من النصوص التي تتعرض للمراجعة والتعديل، وتتعلم من خلالها كيف يخطئ الكاتب وكيف يصحح أخطائه. لذلك، أي ورشة تُركز على “إنتاج نص نهائي” فقط، فهي في الواقع تربي متدرّبًا على إنجاز مهمات، لا على التفكير ككاتب. هذا الفرق مهم جدًا: لأن الكاتب الحقيقي لا يكتب نصًا واحدًا ثم يتوقف، بل يكتب عشرات النصوص، كل منها يحمل درسًا، وكل منها يزيد من عمق إدراكه. الكاتب يطوّر أدواته الخاصة، ويبدأ في فهم لماذا فشل نص معين، ولماذا نجح آخر، وكيف يمكنه تحسينه دون الاعتماد على “الوصايا الجاهزة”.

المهم في ورشة الكتابة ليس أن يخرج المتدرب بنص، بل أن يخرج بقدرة على كتابة نصوص متعددة، وتحسينها، وفهم أخطائه بنفسه. هذه القدرة هي ما يجعل الكاتب مستقلاً. لأن الكاتب الحقيقي لا ينتظر دائمًا من يوجهه، بل يبدأ في تحليل نصه، يكتشف نقاط الضعف، يحدد المشكلات، ويعيد كتابة نصه بشكل أفضل. هذا التحول هو ما يميز الكاتب عن الهواة: الكاتب لا يكتب فقط، بل يُعيد كتابة نفسه عبر نصوصه.

الورشة التي تركز على المنتج فقط قد تعطي المتدرب شعورًا بالإنجاز، لكنها لا تضمن له استمرارًا حقيقيًا. لأن بعد انتهاء الدورة، سيتوقف المتدرب عن الكتابة أو سيعود إلى نفس الأخطاء. أما الورشة التي تركز على بناء عقلية الكاتب، فهي تزرع قدرة مستدامة على التطور. في النهاية، النص ليس الهدف النهائي، بل هو نتيجة طبيعية لعقلية الكاتب المتطورة. لذلك، يجب أن يكون التركيز على “كيف تُفكر ككاتب” وليس على “كم نص أنتجت في دورة”.

لماذا تنجح قلة قليلة فقط؟ 

في مجال الكتابة، يبدو أن هناك تناقضًا واضحًا: تزدحم الورش والدورات، لكن القليل فقط هم من يحققون استفادة حقيقية. السبب ليس في نقص جودة الورش، بل في طبيعة العلاقة التي يبنيها المتدرّب مع الورشة. القلة التي تنجح هي تلك التي لا تجعل الورشة محور كل شيء، ولا تعتمد عليها كحل وحيد. فالورشة في جوهرها ليست “مصنعًا للكتاب”، بل هي بيئة تعليمية تساعد المتدرّب على تطوير مهاراته. أما من يدخل الورشة وهو لم يبدأ في الكتابة أصلًا، أو يعتقد أن الورشة ستحل له كل المشاكل، فإن فرصه في التطور تكون أقل. لأن الكتابة لا تُبنى بالاعتماد على دورة أو ورشة، بل تُبنى عبر عملية طويلة من الممارسة الذاتية والقراءة المستمرة والبحث عن النقد.

المتدرّب الذي يستفيد فعلاً هو من يأتي إلى الورشة وهو بالفعل يكتب، حتى لو كان بمستوى مبتدئ. لأنه يمتلك “قناة إنتاج” جاهزة، ويستخدم الورشة لتطوير هذه القناة، وليس لإنشائها. كما أن القراءة المستمرة هي عنصر حاسم؛ لأنها تزوّد الكاتب بالمواد الخام اللازمة للإبداع. والبحث عن النقد هو ما يتيح للمتدرّب أن يخرج من فقاعة الذات ويواجه نقاط ضعفه. هؤلاء المتدرّبين يستخدمون الورشة كأداة: يذهبون إليها لتسريع فهمهم، لتصحيح مسارهم، أو لاكتساب طرق جديدة في الكتابة. لكنهم لا يعتمدون عليها كعكاز يدعمهم طوال حياتهم. لأن الاعتماد الكامل على الورش يجعل الكاتب رهينًا بوجود مدرب أو دورة، وعندما تنتهي الورشة يتوقف التطور.

الورشة قد تختصر طريق الفهم، لكنها لا تمشي الطريق بدلًا عنك. قد تمنحك أفكارًا، أو تقنيات، أو ملاحظات نقدية، لكنها لا تستطيع أن تكتب نصًا نيابة عنك، ولا تستطيع أن تُحوّل القراءة إلى عقلية، ولا تستطيع أن تُلزمك بالاستمرار. لذلك، النجاح الحقيقي لا يُقاس بكم النصوص التي أنتجتها خلال الورشة، بل بمدى قدرتك على الاستمرار بعد انتهائها، وبمدى تحوّلك إلى كاتب يكتب حتى دون تحفيز خارجي.

ورش الكتابة لا تصنع كتّابًا؟

ماذا تصنع الورشة الجيدة إذن؟ 

الورشة الجيدة ليست وعدًا صريحًا بأن تصنع منك كاتبًا محترفًا. لأنها ببساطة لا تملك القدرة على تحويل شخص إلى كاتب عبر جلسات محدودة. ما تفعله الورشة الجيدة هو أن تمنح المتدرّب إطارًا واضحًا لفهم أخطائه، وتضع أمامه أدوات تساعده على التحسن، وتدفعه إلى الاستمرار بعد انتهاء الدورة. يمكن تشبيه الورشة الجيدة بأنها “مرآة” و”خارطة” في آن واحد: مرآة لأنّها تُظهر للمتدرّب عيوبه، وخارطة لأنها تضع أمامه خطوات عملية يمكن أن يتبعها لتحسين نفسه.

الورشة الجيدة تخلق بيئة نقدية بناءة، لا مجاملة مفرطة ولا تهديد. هذا النوع من الورش يُعلم المتدرّب كيف يقرأ نصه بموضوعية، وكيف يكتشف نقاط الضعف التي كان يغفلها. كما تزوّده بأدوات عملية: كيف يبني حبكة، كيف يطور الشخصيات، كيف يوازن بين الحوار والوصف، كيف يضبط الإيقاع. لكنها الأهم من ذلك: تزرع في المتدرّب فكرة أن الكتابة ليست حدثًا واحدًا، بل عملية مستمرة من التعلم والتعديل. الورشة الجيدة لا تمنح شهادة احتراف، لأنها تعلم أن الاحتراف ليس ورقة تُمنح، بل سلوك يُمارس.

الورشة الجيدة أيضًا تضع المتدرّب في مواجهة مع نفسه: هل يملك القدرة على تحمل النقد؟ هل يستطيع إعادة كتابة نصه؟ هل يستطيع أن يلتزم بالكتابة حتى في الأوقات الصعبة؟ هذه الأسئلة هي التي تُكوّن عقلية الكاتب. لأن الكاتب الحقيقي لا ينتظر أن تكون الإلهام حاضرًا، بل يكتب رغم غياب الإلهام. والورشة الجيدة تُظهر له أن الكتابة ليست مجرد موهبة، بل مهارة تحتاج إلى تدريب مستمر. وبالتالي، الورشة ليست هدفًا، بل خطوة في رحلة طويلة.

الكاتب يُصنع خارج الورش

وأخيراً: الكاتب يُصنع خارج الورش

الكاتب الحقيقي لا يُصنع داخل قاعة ورشة، بل يُصنع عبر مزيج معقد من عناصر لا يمكن اختصارها في دورة تدريبية. هناك قراءة طويلة تُغذي العقل، وكتابة مستمرة تُطوّر المهارة، وفشل متكرر يُعلّم الدروس، ونقد قاسٍ يُظهر العيوب، وصبر عنيد يُبقي الكاتب مستمرًا رغم الإحباط. الورش قد تكون محطة صغيرة في هذا الطريق، لكنها ليست الطريق نفسه. لأنها لا تستطيع أن تمنحك الوقت الذي تحتاجه للقراءة، ولا يمكنها أن تفرض عليك الالتزام اليومي، ولا يمكنها أن تمنحك تجربة الفشل التي تُعلمك أكثر من النجاح.

من يبحث عن اختصار، لن يصل. لأن الكتابة ليست اختصارًا، بل رحلة طويلة تتطلب صبرًا ومثابرة. ومن يقبل بطول الرحلة، قد يصبح كاتبًا — سواء دخل ورشة أم لم يدخل. الفرق أن الورشة قد تسرّع الطريق أو تُضيّعه، حسب طريقة استخدام المتدرّب لها. فإذا كانت الورشة تُستخدم كأداة، فإنها قد تساعد في توضيح المسار، وفي اكتساب مهارات جديدة، وفي بناء شبكة من القرّاء والنقاد. أما إذا اعتُمدت كحلّ سحري، فإنها تصبح مجرد تجربة مؤقتة، تنتهي بانتهاء الدورة، دون أن تترك أثرًا حقيقيًا في مسار الكاتب.

الكاتب الحقيقي لا ينتظر أن تصنعه الورشة. هو يصنع نفسه بنفسه، عبر سنوات من التعلم الذاتي. والورشة الجيدة هي تلك التي تعترف بهذا الواقع، وتضع المتدرّب في مكانه الصحيح: ليست ورشة “تسليم نص”، بل ورشة “تكوين عقلية”. لذلك، إذا أردت أن تصبح كاتبًا حقيقيًا، فابدأ من الآن: اقرأ أكثر، اكتب باستمرار، اطلب النقد، واعتبر الورش محطة، لا طريقًا كاملًا.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

إعلان Google AdSense

أخبار تقنية

إعلان Google AdSense

فيديو