هل حقاً ذئبٌ يأكلُ ذئباً؟!! الحقيقة الذئاب لا تأكل بعضها ويأكل بعضنا بعضاً عيانا.
بقلم:هاني سمير بركات
إنّ التأمل في المشهد الإسلامي المعاصر، وما يعتريه من اصطدام بين ركام التاريخ وصدمات الواقع، يضعنا أمام مسارين فكريين يحاولان رصد الفجوة بين السُّنة والشيعة؛ الأول يمثله كتاب ( السُّنة والشيعة: وحدة الدين.. خلاف السياسة والتاريخ ) للدكتور محمد عمارة والباحث أحمد الكاتب، والذي يسعى لفك الارتباط بين "قداسة الدين" و"بشرية التاريخ"، والثاني يمثله تيار المفاصلة الوجدانية والسياسية الذي يرى في الواقع المشتعل برهاناً على انقطاع وشائج القربى المذهبية.
ومن هنا ينبثق سؤال الوجود والمصير: هل نحن بصدد دينين مختلفين يتصارعان، أم حلم واحد تفتتت أطرافه في مهب العواصف السياسية؟ينطلق الدكتور عمارة في طروحاته من فرضية "المركزية الجامعة"، مؤكداً أن جوهر الخلاف بين الفريقين هو خلاف سياسي في نشأته، وتاريخي في تراكماته، وليس خلافاً في أصول العقيدة أو كليات الشريعة، فالاختلافات الكبرى حول "الإمامة" لم تكن يوماً جزءاً من قطعيات العقيدة التي تُخرج المخالف من الدين، بل كانت "فرعاً" سياسياً تضخم بفعل الصراعات حتى خُيّل للبعض أنه "أصل" من الأصول. وفي مقابل هذه الرؤية الهادئة التي تحاول تجريد الخلاف من ثوبه الديني، يبرز الخطاب الواقعي الذي يُفجره أزيز الطائرات وصراع القوى الإقليمية، وهو خطاب يرى في الممارسات الإيرانية المعاصرة وما يلحق بها من ميليشيات عقائدية طعناً في صميم الجسد السُّني، معتبراً أن "الولاية" لم تعد مجرد نظرية فقهية بل أصبحت أداة للتوسع المذهبي الذي لم يرحم دماء السوريين أو أنين اليمنيين، ليتحول الخلاف هنا من نقاش في بطون الكتب إلى صراع دامي على الأرض، يجعل من الصعب على الوجدان الشعبي السُّني قبول فكرة "التقريب" في ظل الجرح المفتوح.
غير أن القراءة العميقة التي قدمها أحمد الكاتب في كتابه المذكور تحاول كسر هذه الهوة عبر رصد تطور "العقل السياسي الشيعي"، حيث يرى أن الشيعة اليوم، ومن خلال نظريات مثل "ولاية الفقيه" أو "شورى الفقهاء"، قد تجاوزوا عملياً انتظار "الإمام المعصوم" الذي كان يشكل العائق الجوهري أمام الالتقاء مع الفكر السُّني في مفهوم "الدولة المدنية". إن هذا التحول في الفكر السياسي الشيعي يُعد، بحسب الكتاب، "تسنناً سياسياً" مبطناً يعيد الاعتبار للاجتهاد والشورى، مما يفتح باباً للأمل في بناء كتلة إسلامية صلبة قادرة على مواجهة القوى الاستعمارية والصهيونية التي لا تفرق بين سني وشيعي إلا بمقدار ما تخدم هذه التفرقة مصالحها الإستراتيجية. ولكن هذا التفاؤل يصطدم بمرارة الواقع الذي يصفه البعض بـ "فخاخ الشعارات"؛ فكلمات مثل "المقاومة" و"الممانعة" يُنظر إليها في أوساط واسعة من أهل السُّنة كأوراق توت تستر مشروعاً "صفوياً" يريد استبدال الهوية السُّنية بهوية أخرى، وهو ما يجعل الموقف من الصراع الدائر بين قوى الغرب وإيران موقفاً يتسم بـ "الحياد الفقهي" والفرار من الانحياز لأي طرف، انطلاقاً من قاعدة "لو يُهلكهما الله جميعاً"، ورفضاً لأن يكون الإنسان السُّني حطباً في معركة لا تمثله، ولا تحرسه فيها إلا مخالب ذئب يتحين الفرصة لافتراسه.
إن الجمع بين رصانة البحث الأكاديمي في الكتاب وبين حرارة الواقع يخلص بنا إلى نتيجة مفادها أن الأمة تعيش حالة من "التيه المزدوج"؛ تيه بين الأصول العقدية التي توحدها وبين الواقع السياسي الذي يمزقها. فبينما يصر د. محمد عمارة على أن "الخلاف صناعة بشرية"، يصر الواقع الدامي على أن "الخلاف ممارسة تدميرية"، والحل لا يكمن في الانكفاء المذهبي ولا في الذوبان العاطفي، بل في "عقلانية إسلامية" تميز بين المذهب كاجتهاد بشري وبين الدين كرسالة إلهية، وتقدر الضرورات السياسية دون التضحية بالثوابت الأخلاقية. إن الموقف الراشد هو الذي يرفض الانجرار خلف الرواية الصهيونية التي تروج لإبادة الآخر، وفي الوقت ذاته لا يغض الطرف عن الجرائم التي تُرتكب تحت مسمى المذهبية، مؤكداً أن قوة أهل السُّنة تكمن في استعادة دورهم "كأمة وسط" شاهدة بالعدل، لا تصفق لظالم ولا تنحاز لباطل، بل تبني حصونها من الداخل بوعي يفرق بين "العدو الأصيل" وبين "الشقيق المخطئ"، دون أن تسمح لهذا الخطأ أن يتحول إلى صك غفران للعدو المتربص بالجميع. إنها دعوة للعودة إلى الإسلام الأول، الذي كان يرى في التعدد سعة، وفي الوحدة فريضة، وفي العدل ميزاناً لا يحيف، لكي لا تظل الأمة مجرد صدى في مسارح الحروب الكبرى، بل تعود لتكون هي "المتن" الذي يكتب التاريخ بمداد الحكمة لا بدم الفتنة.

تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي