الحاجة إلى التلقي : اللعبة
د.مدكور ثابت
يذهب الجمهور إلى صالات عرض ليشهد أعمالاً فنية سينمائية ماذا يعرف حكايتها سلفا.. بل، لماذا يكرر الجمهور مشاهدته لفيلم سبق أن شاهده مرة، إن لم يكن عدة مرات؟.
قديما، كان جمهور المسرح الإغريقى يعرف سلفا كل الحكايات القائمة عليها عروض الدراما الإغريقية العظيمة، فهى فى تراث أساطيره، كما تلقاها ويتلقاها في الأشعار الهوميرية الإلياذة، والأوديسة.
أى هذا الجمهور الذى هو دائمًا على علم بـ "الحدوتة المسرحية" - لا بد أنه يقبل على ارتياد المسرح لتلقى أو ممارسة شيء ما مختلف عن مجرد هذه الحدوتة المعروفة سلفًا، وهنا يصبح التساؤل عما يكون هذا الشيء المختلف.. هذا، وأمثلة العروض الدرامية المعاصرة عديدة أيضا، وبما من شأنه أن يطرح التساؤل ذاته، بل يطرح - عبر التحليل التطبيقى - ما يساعده على استخلاص حقيقة ثابتة، هي هذا الشيء.
ويمكن في هذا الصدد، الالتفات إلى كثير من هذه الأعمال الدرامية السينمائية والمسرحية والتليفزيونية والإذاعية التي اعتمدت في إعدادها على حكايات مشهورة ومعروفة سلفا لدى الجمهور المعاصر، ومع ذلك فقد قابلها الجمهور ذاته بإقبال شديد عليها.
فمثلاً: حول مصرع الزعيم الإيطالي الدو مورو ، على يد الألوية الحمراء عام ١٩٧٦، يقدم المخرج جيوسبي فيرارا فيلما جريئًا عن هذا الحادث، على الرغم من أننا نعرف الأحداث مسبقا، إلا أن الفيلم يشدنا، ويقدم رؤية شجاعة .. فهكذا كان التقرير النقدى لفوزى سليمان عن هذا الفيلم لدى عرضه فى مهرجان برلين السينمائى ٣٧.
وهنا فإن ما نحاول الإشارة إليه بالتحليل التطبيقى هو ما أسميه متعة التعامل مع لعبة "المؤثرات الدرامية"، كما يتأكد من الاختبار التالى على نموذج سينمائي.
لعل أبرز مثال أن يعرض على الجماهير فيلم "يوم ابن آوى أو المؤامرة" من إخراج فريد زينمان وسيناريو كينيث روث، عن محاولة لاغتيال ديجول، فيحتوى على كل مهارات "التأثيرات الدرامية"، وفى مقدمتها "التوتر - التشويق الدرامي"، بما يدفع إلى توصيفات نقدية من مثل:
مشاهد متلاحقة تحبس أنفاس المشاهدين، وهم يتابعون المجرم العالمى جاكال، أو الكتابة عن "أحداث مثيرة تجذب المتفرج حتى النهاية"، أو الإقرار بأن ".. هذا الفيلم التجارى الناجح الذى أعترف بأنه حبس أنفاسي طوال مدة عرضه.. قد وفق في تشويقنا وإثارة أعصابنا لأكثر من ساعتين".
وهو التشويق المتمثل في التمكن الماهر من إثارة الخوف والقلق على حياة الرئيس الفرنسي شارل ديجول، وذلك مع أن كل الجمهور المتفرج يعرف - مسبقا - وقبل ارتياده صالات عرض هذا الفيلم أن ديجول لم يمت مغتالا.. وهى الملحوظة التى يسهل الانتباه لها، كأن يكتب يوسف شريف رزق الله عن ".. معرفتنا المسبقة بأن ديجول لم يمت نتيجة لاغتيال سياسي، وإنما توفى فى هدوء فى قريته كولومبي لي ذو ذيجليز في نوفمبر ۱۹۷۰، بعد أن اعتزل الحياة السياسية".
كما يسجل الملحوظة نفسها رأفت بهجت بحديثه عن .. أننا نعلم تماماً أثناء مشاهدتنا لفيلم يوم ابن آوى أن محاولة اغتيال ديجول قد فشلت.. وأن ديجول مات منذ وقت قريب في فراشه.. كما نعلم النهاية التى لا بد وأن يصل إليها القاتل.. بل تتأكد الملحوظة بأن الفيلم ذاته لم يتناقض معها من حيث الحقيقة التاريخية المعروفة لدى الجماهير سلفا، ففى الفيلم نفسه، وفى يوم ٢٥ أغسطس، عيد الحرية، اليوم المحدد لاغتيال ديجول، يقوم المجرم بتضليل البوليس، فيتنكر في شكل أحد المحاربين القدماء، ويصبح رجلاً ذا ساق واحدة، وشعره أبيض..ويصعد إلى أعلى عمارة فى ميدان الكونكورد، ويصوب الرصاص على رأس الزعيم الفرنسي..
ولكن انحناءة من ديجول، لتقبيل فتاة تقدم له باقة من الزهور، تمنع الرصاصة القاتلة من إصابته..وبينما القاتل يتأهب لإطلاق النار ثانية، يقتحم عليه الغرفة أحد رجال البوليس الفرنسى، ويرديه قتيلاً برصاصة من مسدسة.
التشويق الدرامي ومتعة الحدوتة المعروفة
وهكذا وبالرغم من المعرفة المسبقة التى تتفق مع ما تصل إليه النتيجة النهائية في الفيلم، إلا أن الجماهير تقبل لتعيش بالممارسة الوجدانية والذهنية التوتر التشويق، وما صاحبه من التأثيرات الدرامية الأخرى خوفا ولهفة على حياة بطل الفيلم ممثلاً في شخصية ديجول، أى بما يعود ليؤكد مرة أخرى التساؤل ذاته عن السبب الكامن وراء جاذبية، أو لنقل الاستمتاع بالتشويق والتوتر لمتابعة عرض لحدوتة نتائجها معروفة على الأقل سلفا.
إن الحدوتة هي الإطار الذى ندرك عن طريقه الحدث الدرامي ونحس به. والتعاون موجود بين الاثنين، بل إنه أساسي، لكن الخلط بين الاثنين خطأ واضح.
وفي هذه التفرقة التى قد تبدو بسيطة يكمن لب الإجابة عن الشيء المختلف الذي يذهب المتفرج من أجله إلى العرض الدرامى على الرغم من تضمنه حدوتة معروفة سلفًا، ففى هذا الحدث الدارمي ثمة ما يحقق للمتلقى ممارسة وجدانية وانفعالية وذهنية من شأنها أن تحدث له استمتاعا يغدو عنصرًا جاذبًا لمشاهدة العرض على الرغم من المعرفة المسبقة بالحدوتة ذاتها التي باتت هنا في العرض الدرامى إطارا للحدث الدرامي.
وهكذا، تشير أغراض التحليل التطبيقى إلى أنه على عكس فيلم الاغتيال من إخراج جوزيف لوزى، لا يقدم فريد زينمان في المؤامرة حادثة حقيقية بعينها، وإن كان الرئيس الفرنسى الراحل ديجول قد تعرض بالفعل خلال عامى ۱۹٦٢، ۱۹۶۳ لأكثر من محاولة اغتيال، بما يستتبع تقييمات نقدية تتحدث عن البدء من استخدام أحداث غير أصيلة إلى توظيف الحقائق بعد تشويهها لخدمة أغراض أحداث الفيلم.
حيث نجد أن معالجة موضوع القصة في الفيلم قد تمت عبر مشاهد تتدثر برداء التزام الواقعة التاريخية مثل:
قصر الإليزيه، بعد اجتماع للوزارة الفرنسية.
الطريق إلى منزل ديجول، الموكب يتقدم.
زانزنة، الكولونيل باستيان يستقبل محاميه.
مكتب وزير الداخلية، الوزير يخبر أحد مساعديه بأن مكتب سكرتير الرئيس، وزير الداخلية يستعد لمقابلة الرئيس.
اجتماع وزير الداخلية الفرنسية بالمسئولين عن الأمن الفرنسي.
حجرة العمليات، ليبل يخبر كارون بأن الرئيس يقول نحن أقوى اثنين فى فرنسا.
إنجلترا، رجال الأمن يتلقون تحذيرا من رئيس الوزراء.
حتى الاحتفال ٢٥ أغسطس ۱۹٦٣، ميدان قوس النصر، تسجيل لكل دقائق الاستعدادات وملامح الاحتفال في الميدان وداخل كنيسة نوتردام.
حلاوة اللعبة والتلقي الدرامي
فسواء تدثرت الأحداث مظهريًا، أو كانت هي كذلك إشارة إلى وقائع تاريخية فعلية، فإننا نلتقى بتوصيف نقدى يقول عن صياغة الفيلم إنه لم يقع أى كاتب السيناريو، كما لم يقع المخرج، فى خطأ السرد التسجيلي، أو تتابع المشاهد الروائية مع إغفال جانب التسجيل لوقائع محاولة اغتيال الزعيم الفرنسي. ومثل هذه القدرة لا تتضح إلا بفهم التفرقة بين الحادثة الروائية والحدث الدرامي، بما هو تحقيق لتأثير درامي يستلزم بدوره حرفية ومهارة في صياغة الإعداد، يكون من نتائجها هذا الإعجاب النقدى الذى انصب في الحقيقة على عدم إغفال الجانب الفنى الدرامي على حساب الوقائع الحوادث، والعكس صحيح. وهو أيضًا ما ينتج منه هذا الإقبال الجماهيري، أو هو بالعموم هذا الاستمتاع الجماهيري بعرض درامي.
فإذا ما استحضرنا حقيقة أن عنصر التعاون بين الحدوتة والحدث الدرامي قائم على كون الحادثة هي ذاتها التي تشكل مادة للحدث الدرامي، أمكننا أن نحصر الفرق ما دامت المادة واحدة.
في مفهومنا أن الحادثة عندما تصاغ متضمنة مؤثرًا دراميًا لتحقيق مفاجأة درامية، أو مفارقة درامية، أو انقلابًا دراميًا، أو توتر تشويق، سوف تصبح حدثًا دراميًا بمجرد تمكنها من تحقيق ولو واحدًا من هذه التأثيرات الدرامية عبر حرفية هذه الصياغة ومهارتها، على الرغم من تضمنها للواقعة ذاتها الحادثة أو الوقائع الحوادث. ومن ثم فإن تحقيق هذا الأثر الدرامي هو الذي يكمن فيه لب التفرقة بين حادثة الحدوتة والحدث الدرامي، حيث يكمن لب العنصر الجاذب الذي يدفع أو يشرح لماذا يتوجه جمهور ما إلى عرض درامي يتضمن حدوتة معروفة سلفًا لدى هذا الجمهور، ودون إنكار بالطبع لمختلف باقي عناصر التفرقة التي تدخل في نطاق إخراج العمل الفنى إلى حيز الوجود مجسدًا بالتمثيل.
وهنا كذلك، يمكن أن يبرر توصيف كالذى يستهل به أحمد رأفت بهجت تحليله لفيلم المؤامرة قائلًا إنه لمن أشق الأمور وأصعبها أن يرى المتفرج فيلمًا مثل المؤامرة أو يوم ابن آوى للمخرج فريد زينمان يجهض على أيدى بعض النقاد الذين خرجوا من الفيلم واثقين من أنهم وقعوا ضحية فيلم مسطح المخرج تكنيك وتسلية. والمقصود بذلك هو المقولات النقدية التي أشارت إلى أن فيلم المؤامرة لا يتضمن أى مفهوم سياسى رغم تعرضه لموضوع اغتيال إحدى الشخصيات السياسية، فقد سعى زينمان أولًا وأخيرًا إلى إخراج فيلم مسل ومتقن الصنع.
ولعل التفسير الوحيد لهذا الانطباع الموصوف بشعور النقاد بكونهم ضحية لا يعدو كونه الشعور بالوقوع في حلبة ألعاب ماهرة، بصرف النظر عن محاولات رأفت بهجت النقدية فى الإشارة إلى التوظيف الفني لما اعتبرناه ألعابًا، وعن قضية خلافه مع بعض النقاد ليثبت لهم أن يوم ابن آوى يُعد فيلمًا سياسيًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. فسواء كان الاختلاف أو الاتفاق، فإنه من المؤكد أن ثمة حدقًا ماهرًا في إدارة بعض الألعاب الدرامية، مما أتى بأثره الجاذب في الجمهور الذى كان على علم مسبق بالنتيجة، ولكنها أولًا وأخيرًا حلاوة اللعبة.
ومن هنا فإن المحك الذى يجب التوقف عنده هو عملية التلقى ذاتها، باعتبارها المستهدف أولًا وأخيرًا، وحيث يمكن من خلالها أن يتم بدء البحث عن إجابة للتساؤل الذي يطرح نفسه في هذه الحالة: وهل ثمة ضرورة أو احتياج إلى هذه اللعبة من الأساس؟ والإجابة لا بد أنها تكمن في ضرورة الفن عمومًا، إلا أن ما يبغيه هو جزئية اللعبة فى هذه الضرورة، باعتبارها الاحتياج الذي تشبعه عملية التلقى وجانبها الخاص باللعبة. وقد يكون سانتيانا مبالغًا فى قوله إن طريقة المعالجة، لا الموضوع، هي لب التراجيديا، غير أن هذه المبالغة يمكن أن تكون ذات دلالة واضحة، وهذه الدلالة هي ما يمكننا أن نفهمها باعتبارها إشارة إلى اللعبة والتلقى.
قراءة الكتاب من هنا
المراجع
-حسن عبد الرسول: المؤامرة.. وديجول مجاة السينما والمسرح، فبراير ١٩٧٤، ص ٢٥.
-أحمد رأفت بهجت: يوم ابن آوى أو المؤامرة، التحليل، نشر نادي السينما، القاهرة، ٩ - ٦ - ١٩٧٦، ص ٥١٨.
-يوسف شريف رزق الله: المؤامرة، نشرة نادي السينما، القاهرة، ١٣ - ٢ - ١٩٧٤، ص ١٨٣، ١٨٤.
المصدر نفسه، ص ١٨٣.
-أحمد رأفت بهجت: مصدر سابق، ص ٥١٨.

