أخبار الإنترنت
recent

بناء العقدة أو الحبكة في السيناريو- PLOT

       
بناء العقدة أو الحبكة في السيناريو- PLOT

✍️د. كرم شلبي 

يُمكن القول بأن العُقدة ، تعني الطريقة التي يسرد بها الكاتب قصته ، أو طريقة الكاتب في سرد القصة ، وعلى ذلك يُصبح من الصعب أن نفصل بينّ عَملية ابتكار الشخصية أو رسم الشخصية ، وبين عملية العقدة ، وذلك لأن قصة التمثيلية إنما تتكشف من خلال الشخصّيات وبواسطتها وتنبع منها أثناء العَمل . ويؤكد كثير من كُتاب الدراما أن الجُمهور أصبح شَغوفاُ بالتمثيلية التليفزيونية التي تقوم على الشخصية ، والتي لا يُمكنه أثناء متابعتها أن يتنبأ بما ستكون عليه الخطوة التالية ، وما الذي سوف تعمله الشخصيات بعد ذلك .

وعلى ذلك فإن بناء العُقدة لا بُد وأن تتدخل فيه عدة عناصر ، إذا لا بُد للتمثيلية أن تقوم على بَّطل.. وهذا البطل يُصارع .. ويُصارع من أجل هدف .. ولا شك أن الصراع هو نضال البطل من أجل الوصول إلى هدفه أو غايته ، ومن ثم لابُد وأن يكون مع قوى مُضادة تُقيم أمامه العقبات والتحديات .. ومن هذا الصراع الذي قد يكون صراعًا داخليًا في أعماق النفس ، او صراعاً خارجياً مع الآخرين ، ينشأ الفعلْ الدرامي .

ولا شك أن الصراع " Conflict" هو روح العمل الدرامي وباعث الحرارة فيه وبدونه يكون العمل فاتراً لا يثير في نفوس المتفرجين الشوق للمتابعة .. ومن ثم ينبغي أن يبدأ الصراع مع بدايته العمل الدرامي ، كما يجب ألا ينتهي إلا بنهاية العمل كله ، ولما كان الصراع يصدر عن الفعل ... والأفعال كلها نتائج لأسباب هي التي تحركها – فإنه يجب إظهار الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى الفعل حتى يمكن التعرف على أسباب الصراع .

📚وهناك أربعة أنواع للصراع هي :

1-الصراع الساكن

2-الصراع الواثب

3-الصراع الصاعد الذي لا يكف عن الحركة

4-الصراع المرهص الذي يدلك من طرف خفي عما ينتظر حدوثه

-الصراع الساكن : و الذي يشعرك بركود الحركة وعدم التقدم او النمو وهو يصيب العمل الدرامي بالركود وعدم الحركة.

الصراع الواثب :هو الذي يحدث فجأة في فقرات لا نُكاد ندرك أسبابها ، وينبغي استخدام كل نوع منهما بحذر شديد.

الصراع الصاعد :فهو الذي يتحرك وينمو من أول الدراما حتى آخرها .

الصراع المرهص :هو الذي يوحي إليك بما ينتظر حدوثه دون أن يكشف عما سيقع من الاهوال حتى لا يضعف عنصر التشويق .

وإذا تألف الصراع في العمل الدرامي من النوعين الأخيرين ، أي من الصراع الصاعد والصراع المرهص ، لأصبح صراعًا بديعًا .. ومن أهم مراحل الصراع في أي عمل درامي تلك المرحلة التي تبدأ عندها نقطة الهجوم ... وهي تلك النقطة التي يكون فيها كل شيء حيوي وهام ... معرضًا للخطر في مُستهل التمثيلية .

إن عناصر بناء العُقدة يقوم علىّ البطل ... والهدفْ ... والصراع من أجل الوصول إلى الهدفْ . وفي هذا الاطار ومن خلال صراع البطل في مواجهة العَقبات والتحديات التي تواجهه ، يجتاز سلسلة من الازمات " Complications "  لكل منها ذروة " Climax " تصل إليها . وهذه الذروة هي النتيجة التي يكون البطل قد وصل إليها في تلك الأزمة . ولنضرب مثلاً يصل فيه البطل إلى الوقوف داخل قفص الاتهام في المحكمة في انتظار صدور الحُكم عليه في جريمة لم يرتكبها " هذه هي الذروة " ثم تحدُث المُفاجأة أن يقوم أحد الأشخاص من بين الجَالسين ليعترف بأنه هو الجاني الحقيقي وليس ذلك الشخص البريء الموجود داخل قفص الاتهام .. عندئذ تكون الذروة هي النتيجة .

وهنا يُمكن القول بأنّ لكل موقف من المواقف المختلفة التي تتألف منها التمثيلية " أزمة " تبلغ ذروتها ، وفي هذه الذروة تكمن النتيجة ويكون الحل ... أما الازمة والذروة النهائية للتمثيلية كلها ، والمبرر الرئيسي لوجود التمثيلية . وعلى هذا يبقى الكشف عما إذا كان البطل سيحقق هدفه أو سيخفق في ذلك ، بمثابة سؤال مؤجل حتى النهاية . ويكون الفعل السابق على هذه اللحظة ، وكل الازمات التي مرت في سياق العمل .. هي " الفعل الصاعد " Raisingaction" إلى الذروة النهائية في التمثيلية ، أما ما يلي ذلك فهو الفعل النازل ، أو الحل "  Resolution " أي نتيجة التمثيلية وحل عقدتها " كما هو موضح في الشكل التالي .

مقارنة السيناريو

تطوّر الحبكة بين الوعي الدرامي والبناء الاحترافي

إذا كان بناء العُقدة أو الحبكة هو العمود الفقري للعمل الدرامي، فإن إتقان هذا البناء لا يتحقق فقط بفهم عناصره الأساسية، بل بقدرة الكاتب على إدارتها بوعيٍ إيقاعي وزمني ونفسي. فالحبكة ليست مجرد تسلسل أحداث، بل منظومة دقيقة تتحكم في توتر المتلقي، وتدفعه للبقاء داخل العالم الدرامي حتى اللحظة الأخيرة.

أحد أهم الأخطاء الشائعة في كتابة السيناريو هو التعامل مع الحبكة بوصفها “مخططًا ميكانيكيًا” جامدًا، بينما هي في حقيقتها كائن حيّ يتنفس من خلال الشخصيات. فكل حدث درامي يجب أن يكون نتيجة طبيعية لاختيارات الشخصية، لا مفروضًا عليها من الخارج. هنا تتجلى العلاقة العضوية بين الشخصية والحبكة؛ فالشخصية القوية تُنتج حبكة قوية، والعكس صحيح.

كما أن تطوّر الصراع لا ينبغي أن يكون خطيًا فقط، بل متنوعًا في طبيعته وحدّته. فالتصعيد الحقيقي لا يعتمد على رفع مستوى الخطر المادي فحسب، بل على تعقيد الرهان النفسي والأخلاقي. حين يُجبر البطل على الاختيار بين هدفه وقيمه، أو بين نجاته الشخصية وخسارة شخص عزيز، فإن الحبكة ترتقي من مجرد إثارة إلى دراما إنسانية عميقة.

وتكمن براعة الكاتب أيضًا في توزيع المعلومات داخل الحبكة. فليس كل ما يعرفه الكاتب يجب أن يعرفه المتفرج في الوقت نفسه. التفاوت المعرفي بين الشخصية والجمهور أداة شديدة الأهمية في خلق التشويق. أحيانًا يعرف المشاهد أكثر من البطل، فينشأ التوتر من انتظار لحظة الاكتشاف، وأحيانًا يُحجب عنه كل شيء، فيتشارك مع البطل دهشة الصدمة. هذا التحكم في تدفق المعرفة هو جزء أصيل من هندسة الحبكة.

ولا يمكن إغفال دور الزمن في بناء العقدة. فالزمن الدرامي ليس مطابقًا للزمن الواقعي، بل يخضع لإيقاع العمل. قد تمر سنوات في مشهد واحد، وقد تُفرد حلقة كاملة لدقائق معدودة. المهم أن يكون الزمن موظفًا لخدمة الصراع، لا عبئًا يبطئه. التمديد الزمني بلا مبرر درامي يُضعف التوتر، كما أن القفز السريع دون تمهيد قد يُفقد العمل مصداقيته.

أما الذروة النهائية، فهي ليست مجرد “حدث كبير”، بل لحظة مواجهة حاسمة بين البطل ونقطة ضعفه الأساسية. الذروة الحقيقية هي التي يُجبر فيها البطل على أن يكون نفسه بالكامل، بلا أقنعة أو حلول وسط. وعندها فقط يصبح الحل – سواء كان انتصارًا أو هزيمة – مُقنعًا ومؤثرًا.

وفي الفعل النازل أو الحل (Resolution)، لا يكفي إغلاق الخطوط الدرامية، بل يجب إظهار أثر الرحلة. ماذا تغيّر؟ ماذا خسر البطل أو كسب؟ فالحبكة الجيدة لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل بترك أثر فكري أو شعوري لدى المتلقي، يجعله يعيد التفكير فيما شاهده.

وفي النهاية، يمكن القول إن بناء العُقدة في السيناريو هو فن الموازنة بين التخطيط والحدس؛ بين المعرفة الأكاديمية بالقواعد، والقدرة الإبداعية على كسرها عند الضرورة. فالقواعد لا تُكتب لتقيّد الخيال، بل لتمنحه أرضًا صلبة يقف عليها، وينطلق منها نحو كتابة درامية حية، صادقة، وقادرة على البقاء في الذاكرة.

المراجع: فن الكتابة للراديو والتليفزيون - كتاب-د. كرم شلبي " ص 250-254 /دار الشرق 1987م

الشمس اليوم

الشمس اليوم

يتم التشغيل بواسطة Blogger.