كتب : عمر صلاح مرعي
قبل سنوات، حذر المخرج العالمي مارتن سكورسيزي من أن دخول المنصّات الرقمية إلى عالم السينما يمثّل "أكبر ثورة منذ ظهور الصوت"، لكنه في الوقت نفسه رأى أن هذه الثورة نفسها تهدّد قيمة الفن السابع، وتحوّل تدريجيًا جوهره إلى شيء أقرب لـ"محتوى" سريع الاستهلاك.
بينما حاول العالم طمأنته قائلاً: "اهدأ يا مارتن.. التكنولوجيا تطور طبيعي والمستقبل أفضل"، لم يتراجع الرجل. على العكس، أطلق تحذيره الأبرز: المنصّات لا تقدم سينما، بل تقدم ما تريده الخوارزميات، وما يناسب الزبون، لا المتفرج الباحث عن تجربة كاملة.
فخوارزميات تلك المنصّات تعرف بدقة ما تحتاجه:
قليل من الخيال العلمي، لمسة جريمة، بعض الرومانسية، مدة لا تتجاوز ساعة و37 دقيقة، ونهاية مغلقة حتى لا يُفسَد “مزاج” المستخدم.
سكورسيزي كان يرى أن المنصّات أمسكت ريموت التجربة السينمائية، بالطريقة نفسها التي سيطرت بها شركات مثل أمازون على الكتب والتجارة، حتى أصبحت كل البدائل تُسحق تدريجيًا.
الصناعة في قبضة قلة
الخطر الأكبر اليوم هو الاحتكار:
عدد محدود من الشركات العملاقة يسيطر على الإنتاج والتوزيع والعرض، وبالتالي يتحكم في ماذا نشاهد، ومتى نشاهده، وكيف نستهلكه.
هي الشركات نفسها التي تحدد الذوق العام، وتعيد صياغة الفن طبقًا لمعادلة: ما الذي يحقق أكبر ربح بأقل مخاطرة؟
ولذلك لم يكن غريبًا أن يهتز العالم بعد إعلان استحواذ نتفليكس على وارنر برذرز. ورغم أن كثيرين تعاملوا مع الخبر كفاجعة مفاجئة، فإن “موت السينما” —كما يقول البعض— قد بدأ منذ سنوات مع انقراض جرأة المنتجين والمغامرة الفنية.
فصناعة كانت تعتمد على بصمة كل مخرج، وعلى مغامرات استوديوهات تبحث عن المختلف، تحوّلت اليوم إلى كتالوج ضخم قائم على قوالب متكررة.
أما المشاريع "المختلفة" فغالبًا تُلغى قبل أن تولد، هذا إن تمكّن أصحابها أصلًا من تنفيذها.
وليس بعيدًا عن السوق المصري، فالأمثلة الحية على الاحتكار وتأثيره في تراجع التنوع واضحة جدًا، إذ تقلصت مساحات التجريب والإبداع مقابل التوجه نحو ما يعتبره السوق “مضمونًا”.
خيال محاصر.. وصناعة بلا مغامرة
الاحتكار لا يهدد التنوع فقط، بل يقتل الخيال نفسه.
فعندما يصبح السوق بأكمله في يد عدد محدود من الشركات، تختفي المخاطرة، ويتراجع التجديد.
يصبح هدف الصناعة: "هذا النوع نجح.. أعيدوا إنتاجه في موسم جديد".
وهكذا نتحول إلى عمال في مصنع ضخم، كل فرد فيه يؤدي دورًا ثابتًا تحت سقف واحد لا يسمح بأي خروج عن النص.
فصل جديد من النهاية
اليوم نشهد —من دون أن ندرك— إعادة تشكيل الصناعة بالكامل.
فالسينما التي عاشت على الشغف، وعلى قوائم الانتظار أمام دور العرض، وعلى البوسترات المعلّقة في الشوارع… تحولت إلى أرقام وخوارزميات ورسائل دردشة وسط اقتصاد مفترس.
استحواذ نتفليكس على وارنر برذرز ليس مجرد صفقة؛ إنه فصل جديد في رواية اختفاء الشكل القديم للصناعة كما عرفناه.
ويبقى السؤال الأهم:
هل سنشاهد سينما فعلًا؟
أم سنجلس أمام نتائج تجارب معملية لخبراء يرتدون البدَل، يدرسون فقط: “أيّ نوع يبيع أكثر؟”
إضافة رأي: السينما بين حرية الاختيار ووهم الوفرة
المفارقة الكبرى في عصر المنصّات الرقمية ليست في غزارة المعروض، بل في ضيق الأفق. نحن نعيش زمنًا يُقنعنا فيه النظام بأن لدينا حرية مطلقة في الاختيار، بينما الحقيقة أن الخيارات نفسها مُعلّبة مسبقًا. آلاف العناوين أمامنا، نعم، لكنها تتحرك داخل ممرات ضيقة رسمتها الخوارزميات بدقة باردة، لا ترى في المشاهد سوى “سلوك استهلاكي” يمكن التنبؤ به وإدارته.
الخطر هنا لا يكمن فقط في تراجع مستوى بعض الأعمال، بل في تغيّر علاقتنا نفسها بالسينما. الفيلم لم يعد حدثًا يُنتظر، ولا تجربة تُناقش، بل منتجًا يُستهلك ثم يُنسى سريعًا، ليحل محله اقتراح جديد: “قد يعجبك أيضًا”. وهكذا تُقطع الصلة بين المشاهد والعمل، فلا زمن للتأمل، ولا مساحة لتكوين ذاكرة سينمائية حقيقية.
سينما المؤلف، التي دافع عنها سكورسيزي وغيره، لم تكن مجرد رفاهية نخبوية، بل كانت اعترافًا بأن الفيلم رؤية شخصية للعالم، لا نتيجة اجتماع تسويقي. المنصّات، بطبيعتها، لا تحب الرؤى الفردية الحادة، لأنها غير مضمونة النتائج. هي تفضّل الأعمال “الآمنة”، التي لا تزعج، ولا تصدم، ولا تطرح أسئلة ثقيلة قد تدفع المشاهد إلى التوقف بدل الاستمرار في المشاهدة المتواصلة.
حتى مفهوم النجاح تغيّر. لم يعد النجاح مرتبطًا بالتأثير الثقافي أو الفني، بل بعدد الساعات التي قضاها المستخدم أمام الشاشة. فيلم يُشاهَد نصفه ويُترك قد يُعد فشلًا خوارزميًا، حتى لو كان عملًا عميقًا ومختلفًا. أما مسلسل متوسط الجودة يُشاهَد كاملًا بدافع العادة، فيُكافأ بموسم جديد. هكذا يُعاد تعريف القيمة، لا بناءً على الجودة، بل على “قابلية الاستهلاك”.
وفي هذا السياق، يصبح الاحتكار أكثر خطورة مما يبدو. حين تمتلك الشركات الكبرى أدوات الإنتاج والتوزيع والتحليل في آن واحد، فإنها لا تسيطر فقط على السوق، بل على الخيال الجمعي. هي التي تحدد ما هو “مطلوب”، ثم تُقنعنا بأننا من طلبه. دائرة مغلقة تُقصي كل صوت لا يشبهها، وكل تجربة لا تناسب معادلاتها.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في تشاؤم مطلق. فالتاريخ يعلّمنا أن الفن، كلما حُوصِر، وجد طرقًا جانبية للبقاء. السينما المستقلة، والمهرجانات الصغيرة، والتجارب منخفضة التكلفة، لا تزال تشكّل مساحات مقاومة، وإن كانت هشة. لكن بقاء هذه المساحات مرهون بوجود جمهور واعٍ، لا يكتفي بالاستهلاك، بل يطالب بالاختلاف.
السؤال الحقيقي إذن ليس فقط: هل ستنجو السينما؟
بل: هل سيبقى لدينا متفرجون، أم مجرد مستخدمين؟
لأن السينما، في جوهرها، لم تكن يومًا مجرد صورة تتحرك، بل تجربة إنسانية تتطلب وقتًا، وصبرًا، واستعدادًا للانزعاج أحيانًا. وإذا فقدنا ذلك الاستعداد، فلن تقتل المنصّات السينما وحدها… سنكون نحن قد فعلنا ذلك بهدوء، وبضغطة زر.

.jpg)
تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي